عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

عمّ يضحكون؟نصر الدين لعياضي

عمّ يضحكون؟

 imagescaas9r4e

نصر الدين لعياضي

يروي التاريخ أن أحد الأساقفة تدخل لحسم الجدل الذي كاد يحدث انقساما بين رجال الكنسية في إسبانيا في منتصف القرن السادس عشر، لقد كان هذا الجدل قائما حول السؤال التالي: هل الهنود سكان أمريكا الأصليون بشر أم لا؟ لهذا الغرض نظم مناظرة لطرفي الجدل في عام 1550 في مدينة “فلادوليد” )بلد الوليد( الإسبانية. وأحضر إلى القاعة ثلاثة هنود لمعرفة هل يضحكون، لقد كانوا يعتبرون الضحك في ذلك القرن خاصية تميّز البشر عن سائر المخلوقات، فقام المهرجون بالاستعراض والسخرية من رجال الدين الحاضرين في القاعة فضج الحضور بالضحك إلا الهنود، فكانت نتيجة المناظرة واضحة ولا تحتاج إلى نقاش.، وعندما أُخرج الهنود من القاعة انتابتهم نوبة من الضحك لأن أحدهم تعثر في نزوله من سلالم المبنى.

تدعو هذه الحادثة، بصرف النظر عن تضميناتها العنصرية، إلى التساؤل عمّا يضحك الناس في هذا العصر؟ لكن يمكن لهذا السؤال أن يحجب سؤالا آخر أكثر أهمية، وهو لماذا يضحك البشر أصلا؟

يرى الفيلسوف “أوليفي منجا”، في كتابه الموسوم “ماذا يضحكنا؟ المجتمع الفرنسي وممثلوه الساخرون في 2006”، أن الضحك وسيلة لتذليل الخوف لاعتقاده أنه يخفف الإحساس بالضيق، وهذا ما يستشف من القول المأثور “شر البليّة ما يضحك”.

إذا، علاقة الضحك بالخوف والضيق أقوى من علاقته بالفرح والسرور. وتزايد البرامج الساخرة في تلفزيونات العالم لا يعني بالضرورة أن البشرية في حبور بإنجازاتها العلمية والتقنية وتقدمها الاقتصادي والاجتماعي، إنه يدل على اتساع جغرافية التبرم والخوف اللذين يجتاحان العالم: الخوف من الحروب القائمة وتلك القادمة، ومما يخبؤه الغد: أزمة اقتصادية، تزايد عدد المعطلين عن العمل، ارتفاع الأسعار، عودة أمراض القرن الماضي للظهور، انتشار أوبئة جديدة غامضة، شدة وطأة الاحتباس الحراري، والخوف من التغذية المحولة جينيا.

لا يؤيد بعض الباحثين في مجال وسائل الإعلام هذا الرأي، ليس لكونهم يتنكرون لحجم مآسي العالم، بل لاعتقادهم أن جنوح هذه الوسائل نحو التسلية وإضحاك الجمهور فرضته ضرورة اقتصادية قبل أن يكون اختيارا اجتماعيا ونفسيا. ويتحججون بالقول أن هيمنة التجارة على نشاط هذه الوسائل فرض عليها تقديم المواد والبرامج التي تحقق إجماعا واسعا بما يتماشى ورغبة أصحاب الإشهار في إيصال رسائلهم إلى أكبر عدد من الناس-الزبائن. وهذا خلافا للمواد السياسية الجدالية التي تعمل على إحداث انقسام في صفوف الجمهور وتفتيته.

هل هذا يعني أن البرامج الساخرة تحقق إجماعا؟ الإجابة تأتينا من القنوات التلفزيونية اللبنانية التي أصبحت تستغل البرامج الساخرة لتصفية حساباتها السياسية عبر الاستهزاء بالطوائف العرقية والدينية، بل تمادت إلى درجة أنها أصبحت تبث برامج خاصة بالنكت الجنسية البذيئة فأثارت موجة من النقد والسخط في المجتمع اللبناني. وحتى أعرق البرامج التلفزيونية مثل “الكاميرا الخفية أو المخفية” التي تضاعف عددها في القنوات التلفزيونية العربية في السنوات القليلة الماضية لم تعد تحقق إجماعا. فالكثير من القنوات التلفزيونية العربية تلجأ إلى استيراد بعض برامج هذه الكاميرا التي أخذت مسميات مختلفة، متجاهلة أن المزاح ذو طابع قومي ووطني واجتماعي. فما يضحك هذا الشعب قد لا يضحك ذاك، وما يسلي هذه الطبقة أو الفئة الاجتماعية قد يضايق تلك. وبعضها انصرف إلى فبركة مقالب للإيقاع بهذا الفنان أو ذاك الرياضي. فماذا يضحك الجزائريين؟

يرى البعض أن إضحاك الجزائري اليوم أصبح أمرا صعب المنال لكثرة همومه، بينما يرى البعض الأخر أن مقالب “الكاميرا المخفية” تضحكه. لكن ماذا لو ادخر مخرجو الكاميرا الخفية ذكاءهم وخيالهم، ونزلوا إلى أسواقنا وصوروا سلوك الباعة والزبائن، ونقلوا معاناة الموطنين في الحافلات، والمستشفيات ومختلف الإدارات؟ لو فعلوا ذلك سيجدون حتما أشخاصا حقيقيين يمثلون بشكل عفوي أدوارا في غاية الإتقان والإبداع لأنها جزء من حياتهم. ساعتها يضحك المواطن على حالته التي تدعو للشفقة، ويندهش من قدرته على التحمّل أو من عدم تسامحه وعصبيته المجانية. وربما يشاهد المسؤول الجزائري ذاته في الشريط المصور، فيضحك بملء شدقيه على ذاته أو ينفجر غضبا لأنه يلعب دورين متناقضين: الجلاد والضحية.

لكن يجب أن نتفهم وضع مخرجي برنامج “الكاميرا الخفية”، إنهم يتحاشون تصوير الواقع، ويكتفون بتصوير أوضاع مصطنعة أو متخيلة. فإذا غضب أحدهم عليها قيل له إنها ليست الحقيقة بل نحن نمزح فقط. فالضحك يشترط هامشا من الحرية ورحابة الصدر للنقد. فإذا توفرا أمكن القول مع الكاتب “برينو كوبن”: “إن الضحك مثل ماسح زجاج السيارة لا يوقف المطر لكن يسمح للسيارة بالتقدم نحو الأمام”. –

عن الخبر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 23 يوليو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: