عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

المثقف في رمضان..((أنسنة)) الصوم وتهميش رتابة أدوات الإبداع

المثقف في رمضان..((أنسنة)) الصوم وتهميش رتابة أدوات الإبداع

 BBLO4af9542e09ff7

عدنان أبو زيد

يجذب الصوم المثقف إلى ساحته، مهما كان موقفه من الدين، لقدرته على جدولة التكيّف الشخصي وفق المستوى المعرفي (الفكري) للإنسان، بل أضحت هذه الشعيرة الدينية حتى بالنسبة لعلمانيين وليبراليين، لا يؤدون شعائر الدين في أوقاتها، تقليداً سنوياً يحرصون على ممارسته بوصفه تعبيرا إنسانيا عن الحاجة إلى قهر الضعف أمام الشهوة، و عزل لكبرياء الإنسان وترفّعه عن التوحد مع الآخر الضعيف، أمياً أو متعلماً، مثقّفاً أو جاهلاً، في شعور فيّاض بالقوة الطارئة الملهِمة للصبر أمام الإغراء الحياتي.

اشتراكيون يصومون

وللصوم عند بعض المثقفين، عدا كونه فرضاً دينياً، فهو نشاط “اجتماعي” جمعي الممارسة والشعور، ينظّم الوقت، ويهذّب الإبداع الفكري، ويختبر في المثقف صبره على تهميش تراتبية الأدوات اليومية، ليحفز فيه الإبداع ويمنحه فرصة تطوير الأدوات واستبدالها بعدما أتاح له الصوم فرصة سانحة للتغيير.

وليس غرواً، انّ “اشتراكيين” أول ما جذبهم في الإسلام، الصوم، فما ان جرّبه روجيه غارودي، حتى شعر بحيوية روحية هائلة، تمخّضت عن مشاعر صادقة تجاه الاسلام.

يقول الكاتب والأكاديمي عبد الفتاح طوقان في حديثه ل”الصباح” ان المثقف له نظام من المعتقدات المشتركة القائمة على الدين و ثقافة مجتمعه، وله من القدرة على الفصل والجمع دون المساس بعظمة الخالق، تحكمها القيم والعادات، والسلوكيات من جهة، و من جهة أخرى الأعمال الفنية التي تؤطّر أفراد المجتمع و ترفع الجرعة التصالحية مع الذات لحسن استخدامها لمواجهة عالمهم ومع بعضهم البعض لفهم الآخر عبر البحار الفكرية.

ويسترسل طوقان في القول”هذا الشهر هو فرصة لقراءة القرآن و البحث في مفردات الأديان الأخرى و التبحر في قصص و روايات و مسلسلات تحمله إلى ما هو أبعد من النص و مفردات الآية”.

 لماذا يصوم الرأسمالي؟

ولأن الصوم، نشاط فردي في حلقة الممارسة الجمعية، ولعقوبته الشديدة واقترابه الشديد من أهم الشهوات اللذائذية، ولطقوس الجوع والعطش التي تدمج الصائمين  في مناخ تأريخي وإنساني عريض، فقد نال الاهتمام أكثر من غيره من الشعائر الدينية الأخرى، بل أن ليبراليين طاوعوا ثقافة الصوم على وفق اعتقادهم، ولاءموا طقوسه، وفق فلسفتهم في الفكر وتعليل الظواهر، فهو الممارسة التي لا يستطيع الرقيب أن يضمها إلى قائمته، فمن ادعى الصيام تعذر على الآخر النفوذ إلى خبيئته، ووقف اشتراكيون إلى جانب الجوعى والفقراء، ودعوا الرأسماليين لأن يصوموا لكي يشعروا بقهر الجوع الذي يستوطن الضعفاء والمساكين.

لكن رمضان من وجهة نظر إعلامي وكاتب هو حمزة مصطفى، يمثل ” شهرا خاصا”، ليس بوصفه مثقفا، كما يقول، بل بوصفه “إنسانا يحرص على الصوم”.

ويؤكد مصطفى في حديث ل “الصباح”،ان ” الكثير من الأولويات في القراءة سوف تختلف”.

ويتابع القول” أنا الآن عاكف على إعادة قراءة كتب الدكتور علي الوردي وقد وصلت إلى الجزء الرابع من اللمحات وسوف أنجز قراءته قبل رمضان، كما وضعت خارطة “قرائية” لرمضان سوف أؤجل معها الوردي مؤقتا لأشرع مثلا بقراءة القرآن الكريم وبعض الكتب الفكرية الحوارية الخاصة بالمذاهب حصرا “.

وإذا كانت ثمة تباينات ونزاعات فكرية بين المثقف المسلم، والمثقف الإسلاموي في الكثير من مناحي التفسير والتحليل للغايات والأسباب، فانهما يتفقان على أن رمضان يبزّ التناقضات المتداخلة بينهما ويضعها متفقين في السير على سكة الصوم.

ما بين منبهر ومتماسك

وإذ يقول طه حسين كلاما في معرض حديثه عن احتكاك النخب المثقفة والأكاديمية بالغرب، وانقسامها ما بين منبهر ومتماسك، من عظمة التطور في الحضارة الغربية، فان المسلمين لم يجدوا سوى الصوم الذي نال اهتمام غربيين، مفخرةً يتباهون به أمامهم.

وبالفعل، فقد كان الصوم، الشعيرة الدينية الأقرب إلى أصحاب الديانات الأخرى، وأبناء الحضارات التي انحسر فيها الدين، حتى بات ممارسة إيجابية لدى الكثير من أبناء “العصرانيين” الحاملين لواء التحضر الغربي.ولعل المفكر محمد أركون انتبه إلى هذا التفاعل الإيجابي، بين شعيرة إسلامية مهمة وأبناء النخب المتأثرة بالغرب، فسعى إلى هزيمة الانفصام في الحياة العصرية، والاعتقادات المقدسة، عبر”أنسنة” للدين تتضمن تأويل القيم الروحية الإسلامية إلى مفاهيم إنسانية تخرج عن نطاق الفكرة الدينية الى مفهوم أيديولوجي لا تتمايز فيه مدلولات الممارسات والطقوس وإنتاجيتها القيمية.

ضد أنسنة الصوم

على أن مفكرين إسلاميين ضد أنسنة الصوم التي يسوقها إلى الجمهور مثقفون ليبراليون ويساريون، إذا كان القصد من الفكرة، هو الصوم مع عدم تجنب محظورات، وما إلى ذلك، عندئذ يتحول الصوم إلى مجرد إضراب عن الطعام.

 الكاتب والشاعر قيس المولى في حديثه ل “الصباح”، ينظر إلى رمضان، من باب “التحول إلى طقس جديد على صعيد الاستعداد النفسي والذهني، وهو أيضا فرصة للتأمل في هذه المناسبة و اختبار الذات”.لكن المثقف لا يحظى في هذا الشهر الكريم، بحسب المولى، بالوقت الملائم الذي يساعده على الكتابة بسبب التغير في جدول الوقت.

تجارب في الصيام

ومثال على اضطرار صاحب القلم إلى تغيير جدوله اليومي في رمضان ما يقوله ل” الصباح”، الكاتب عبد الحسين ماهود “أبدأ رمضان بعد سبات نهاري أقضيه بين النوم والقراءة أو الكتابة مقاوما الخمول الذي يدب في جسدي، فالحيوية تبدأ بعد الفطور بساعة أستحيل عندها إلى كائن اجتماعي أشارك الجميع في الخروج إلى مركز المدينة وألتقي بالأصدقاء، وربما تنشط الصالونات الثقافية أو الجهات الادبية والفنية حيث سأكون فاعلا فيها “.

الكاتب والقاص صالح الطائي يرى في حديثه ل” الصباح ” أن “فلسفة الصيام لا تقف عند مجرد الإمساك عن الطعام والشراب وبعض المتطلبات الأخرى، هذه التجربة الجسدية الروحية الفريدة التي تجمع بين مطالب الدنيا والآخرة، وتجمع بين فلسفة الأخلاق وفلسفة الحياة، فهي تتجاوز المقاصد العبادية إلى المقاصد الصحية والاجتماعية والتكافلية”.

 ويعتبر الكاتب محمد المدهون، الصوم “انطلاقة نحو أفق أوسع وفضاء أنقى، إذ أن صيام الفكر عن الآثام، أفضل من صيام البطن عن الطعام”.

وما يثير في تأثير شعيرة الصوم على الإنسان ما يؤكده الباحث والمترجم المغربي قادر عبد الرحمن ل” الصباح ” من أن “الجميع يقف مذهولا امام هيبة رمضان ليشترك في ذلك متعولم ومتحفظ، ويائس ومتأمل، ومهاجر أبدي للغرب، وعائد إلى الجذور على عجل، والمؤوّل للتراث من منطلقات غربية، والمنكب عليه بشروط المحلية، فهؤلاء جميعا يصومون على رغم عدم ممارستهم للشعائر الدينية بانتظام”. ويدلي الكاتب طارق الحارس المقيم في استراليا، بدلوه في حديث رمضان، فيقول ل”الصباح” إن “الإنسان لا يقف عند الصوم باعتباره واجبا دينيا فحسب، بل كونه حالة تلامس الجوانب الإنسانية أيضاً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 10 يوليو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: