عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

هل من حق السلطة اللجوء الى العنف؟

هل من حق السلطة اللجوء الى العنف؟

aa 

زهير الخويلدي*

“ان السلطة توجد عندما يفعل الناس معا وانها تتلاشى عندما يتشتتون.[1]”

ان وضع الفرد تراجيدي وان حياة الشعوب تخفق بالنشاط والصيرورة وان روحهما تنقسم الى ثلاثة أبعاد التفكير والارادة والحكم، وان الهدف الأول من الثورة التي تنجزها الذات

الجماعية هو التخلص من الجهاز التسلطي العجيب الذي يغوي الحشود ويقوم بصهرهم ودمجهم ضمن فعل مشترك واحدAgir en commun unique . لكن يجب أن نبدأ بعد أن نستفيق من غفوة الحماسة التي غمرت محبي النوع البشري وأن نفسح المجال للشبيبة الأبية أن تظهر قدراتها على تحمل المسؤولية السياسية. ان التفكير السياسي المستقبلي هو التفكير ثوري يقطع مع الحنين البدائي الى الأصول ولكنه في نفس الوقت تفكر بدئي يتعفف عن التاريخانية والتطورية ولا يعيد تقييم التحولات على ضوء المعايير القديمة بل ينطلق نحو . كما أن السياسة الثورية من هذه الزاوية تكون مشروعا طويل المدى وان ديدنها هو تثبيت الحياة الحسنة لدى الناس من حيث هم كائنات آدمية فانية تفكر في الأبدية وغير راضية بالخلود.

“ان السياسي هو المكان الذي يلتقي فيه القابل للتلف مع الهش”[2] وان النقطة الهشة في المشروع السياسي هي عرضته الى التلف ويفسر ذلك بأن السلطة الشرعية هي دائما ثمرة فعل مشترك وأن الفعل المشترك لا يدوم الا باستمرارية التفاهم والتعاون بين الأفراد التي تتشكل منها الجماعة السياسية وأن ظهور بذور الشقاق والتنازع كفيل بأن يفسد كل شيء ويفقد السلطة مشروعيتها ويتهدم الكيان السياسي.

ان السلطة والسيادة والعنف تتنزل في الشغل والصناعة والفعل من حيث هي مفاهيم تحليلية للحياة النشطة لدى الانسان. ان الهيئة السياسية تظل هشة وقابلة للتلف والضياع ما دامت لم ترتكز على الشرعية الثورية ولم تحظى بالأجماع الشعبي والاقتناع التام للمواطنين الأحرار. وهذه الهشاشة مرتبطة بتشبث الأفراد تحصيل الخير وتعرض قيمة الحق للتهديد عندما يتحول استعمال القوة الى عنف. ان العنف ليس من ضرورات السلطة وان السلطة الحقيقة لا تتعمد بشكل أساسي على الاستعمال المشروع للعنف. بل كل من المفهومين هما على طرفي نقيض. ان التعريف العلمي للحكومة يرى أنها ترتكز على الرأي العام والاجماع والتفاهم والاتفاق والاقناع والرضا وليس على الهيمنة والتخويف وممارسة التعسف والارهاب.

“ان السلطة لا توجد الا عندما يتم توجيه فعل مشترك بواسطة صلة مؤسساتية معترف بها”.[3]

ان الخطأ هو تعريف السلطة بكونه علاقة تحكم وخضوع أو بعبارة أخرى صلة أمر وطاعة لأن قبل السلطة على… تأتي السلطة ضمن…وبالتالي تشتق السلطة من المقدرة على الفعل المشترك أساسا. ان الأفراد يحوزون على طاقة ولكن الجماعات عبر فعلها المشترك تحول تلك الطاقة الى سلطة. ان العنف هو استثمار هذه الهشاشة بواسطة مشروع أداتي يخدم مصلحة فئة ضد مصلحة الجميع.

غير أنه يوجد ضعف آخر هو ثنائية السلطة المدنية والسلطان الروحي ومدينة الأرض ومدينة السماء ويسقط السياسي في متاهة كبيرة حينما يبحث عن استحضار العلاقة بين السلطة التي تستمد من ارادة الشعب واتفاقه والنفوذ الذي يستمده الحاكم من التقاليد. ان النفوذ ينتج في حقل الفعل علاقة توسطية عير عنيفة وغير قوية تتحدد ذاتيا من طرف المحكومين وتتخذ شكل دعوى مباشرة. ان النفوذ يأتي من الأعلى ، من هناك ، من بعيد ومن فوق السلطة ، ولكنه يتوسط السلطة غير قابلة للقسمة بواسطة دعوى حكومة متميزة عن المحكومين وتراتبية. ان المطلوب هو القضاء على النفوذ بعد الثورة بتفكيك المنابع التقليدية التي يتغذى منها وهي الميتافيزيقا والتيولوجيا والأنطولوجيا.

ان الثورة قد جعلت السياسات المتعالية والبعدية والخارقة تتحطم ونادت بعري السياسي وطهارته وتمدده على الصعيد الأفقي وسمحت الى النفود بأن يفد من خلال السلطة وان المدينة مدعوة الى أن تشيد نفسها بنفسها من خلال جعل النفوذ يستمد من سلطة الشعب ولا مصدر متعال وخارجي ومبني للمجهول.

كما حذرت الثورة نادت بإنقاذ الأفعال الانسانية من عبثية المصنوعات وتعرضها للتلف والنسيان وذلك عن طرق الانخراط في لعبة المؤسسات الحرة والمقنعة بعد اتفاق واجماع.

ان الأمر لا يتعلق بذكر مدن فاضلة وجمهوريات مثالية تنتمي الى عصور ذهبية بل يتوقف على مشروع مستقبلي يقوم على تحالف بين الحرية السياسية بماهي اتفاق عضوي مع المدونة الدستورية والحرية الدينية بماهي امكانية ابتداء شيء معين في العالم. ان الحرية الحقيقية تنبع من مقاومة الشمولية ومواجهة الهشاشة وتحدى القدر.“ان الفكر الثوري هو انسانوي … ونحن أيضا أناس ونكون دعامة لكل ثورة”[4] لكن ماذا سيفعل الثوري بأعدائه؟ هل سيحاسبهم باسم المنطق الثوري أم سيصفح عنهم ويدمجهم باسم المنزع الانساني؟

ان التخلص من هيمنة الحاكم على المحكومين ومن استغلال الانسان للإنسان لا يتم بشكل نهائي الا بإقامة نظام قانوني وعقلاني قادر على امتصاص العنف وتحييد أطراف النزاع.

ان تحديد الحقل الدلالي الذي تشتغل ضمنه مقولة الهيمنة يقتضي التمييز بين السلطة والقوة والقدرةpuissance والنفوذAutorité والتراث. ان السلطة ليست البتة خاصية فردية بل تنتمي الى المجموعة وتستمر موجودة حتى في ظل الانقسام والتنازع ولكنها تضعف وتنقص عندما يحتل العنف الساحة وتقتصر على العلاقة القائمة بين الأمر والطاعة أينما كانت.

ان الفعل يمتلك مقصدا سياسيا بينما السلطة ليست سوى التعبير الشعبي عن الفعل، كما أن الفعل هو النشاط الوحيد الذي يطابق التعددية كحقيقة الشرط الانساني ويضع الناس في علاقة مباشرة دون وساطة المادة أو الأشياء. ان الرأي وليس الحقيقة هو واحد من الركائز الضرورية لكل سلطة. لكن اذا كان محرك الفضاء الخاص هو التملك والاشهار والاستهلاك فإن محرك الفضاء العمومي هو الرأي والتراث والانفتاح والتعددية.

ان النفوذ يتطلب الاعتراف والاحترام وليس الاكراه والاقصاء كما هو الشأن عند السلطة، ولذلك يبدو من المنطقي التفكير في ثلاثية الدين والتراث والنفوذ. ان النفوذ هو العنصر الثابت والمتواصل والقادر على ايجاد التماسك في المجتمع حتى في ظل تراجع دول السلطة خاصة وأنه يحتكم الى التراث والتقاليد والهوية الثقافية للأفراد.

ان الأمر يتعلق بنفوذ متعال للقيم الأخلاقية والجمالية والمعرفية مثل الخير والحق والجمال حينما يقتضي الموقف القيام بتأسيس أصلي Fondation originale يدشن لولادة كيان سياسي ومجتمعي جديد وحينما يكون فعل التأسيس مسألة مصيرية وحاسمة بالنسبة الى مستقبل الشعب وقواعد اللعبة السياسية التي سينخرط فيها الفاعلون والقوى الرئيسية.

ان المعضلة القائمة تتوقف على تقليد التجربة التي خاضها المشرعون الأوائل حينما أسسوا جسما سياسيا ناشئا دون عنف وبالاعتماد على الدستور.

هكذا يكون التقليد والسلطة والتأسيس والإحياء survivant وهي كلها عناصر ضرورية لاشتغال السياسي بشرط أن يتعلق الأمر بتقليد النفوذ وليس بنفوذ التقليد وذلك لكي يتحرر التأسيس من التفويض ويصبح اتفاق واقتناع ومشاركة. ان لفظ “الاحياء يتضمن عنصرا مات أو يجب أن يكون لا يزال بعد على قيد الحياة” [5]. “ان الصفح هو وضع معاد وعطاء جديد وما يقطع النتيجة عن الضرورات والذي يبدأ…الصفح ضد القطع” .[6]

ان المطلوب هو التصافي والصفح بين قوى الشعب الثائرة والشروع في تنشيط الذاكرة النضالية والوفاء للذات الجماعية وإعادة احياء الانتماء الى الجماعة السياسية الكبرى. لكن هل يجوز العفو في ظل الذنب الإجرامي؟ وهل يمكن الغفران بعد ممارسة الشر السياسي؟

المراجع:

Colloque Hannah Arendt, politique et pensée ,éditions Payot & Rivages, 1989.

J-P- Sartre, situations philosophiques, matérialisme et révolution, éditions Gallimard, 1976.

Paul Ricoeur, Lectures1, autour du politique, éditions du seuil,1991.

*كاتب فلسفي

[1] Paul Ricoeur, Lectures1, autour du politique, éditions du seuil,1991. p.18

[2] Paul Ricoeur, Lectures1, p.18

[3] Paul Ricoeur, Lectures1, p.17

[4] J-P- Sartre, situations philosophiques, matérialisme et révolution, éditions Gallimard, 1976, p. 116

[5] politique et pensée , colloque Hannah Arendt, éditions Payot & Rivages, 1989, p.287

[6] politique et pensée , colloque Hannah Arendt, éditions Payot & Rivages, 1989, p,296

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 7 يوليو 2013 by .

الابحار