عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

الرحلة العلائية إلى الفقيد العزيز محمد الدنّاي

الرحلة العلائية إلى الفقيد العزيز محمد الدنّاي

 bbb21

عبدالرحيم مؤذن

بغيابك انتعش يتم هذا الجيل، ويتم هذه المدينة،أيضا،و التي يتساقط أبناؤها ، تباعا، وهم في عز العطاء!مدينةمنذورة للموت دون أن تدير ظهرها للحياة!

 في لحظة الفقدان يحضر المكان، ولو كان وجر ذئاب،قبل الزمان الذي توقفت عقاربه لحظة الموت، في حين ظل المكان مجسدا ل( الهيولى)التي لم يجد أمامها المعري- شاعرك الأثير-  سوى طلب تخفيف الوطء بعد أن ارتدت إلى منبعها الأول. الناس في  هذه المدينةيتوزعون بين قبر الحياة، وبين قبر الموت، وما بينهما مشاتل القبورالمتناسلة.وسارد الذين لاسرد لهم- محمد زفزاف رحمه الله-كتب عن قبور الماء التي نافست قبور الأحياء والأموات المنتشرة بين الحجر والتراب.

لم يكن يملك جيلنا سوى العرق.  لم ينحدر من سلالة مخنّتة تخرج مفتاحا وهميا، كل وقت وحين،لأرض ضيعتها في لحظة نشوة أعمت الأبصار والصائر!

ولم يحمل هذا الجيل دما أزرق يقايض به كل شئ.

ولم ينتسب إلى المحميين الجدد الذين سبّحوا بحمد الغازي ، بعد أن اقتطع لهم من البر والبحر والنهرما شاء، واقتعدوا،أمام حوانيتهم الفارغة من كل شئ،الدكك المرتفعة، وزرابي مبثوثة، والطنافس المدغدغة، ورموا برؤوسأسماك الشابل المصدّرةإلى ما وراء البحر،وباعوابالشئ الفلاني( بونات السكر والشاي والدخان) لرقيق الأرض،  ونظرات شهبندر التجار تشع من عيونهم  المفتوحة عن آخرها ، وكأنها أفواه  غائرة لاتكف عن طلب المزيد!

لم يكن يملك هذا الجيل سوى العرق، ثمالعرق.وكان الفرد منا ينافس الآخر في بذل مزيد من العرق.ولذلك انتشينا  بالكتاب الأول، والفوز الأول، والبذلة الأولى والقبلة الأولى، والمنحة الأولى التي سمحت لنا بتفصيل أحدث موضات ذلك الزمان،وكأننا فرق رياضية تستعد للنزال، بالقميص المزهر، وبنطال رجل الفيل وحذاء

الموكسان) المستوحى من نعال الهنود الحمر.

ولما كانت هذه المدينة لاتشبه مدن الأسوار والمتاريس والأقفال والرتج ،والمتاهات الطافحة بالمؤامرات الصامتة، والأحقاد الدفينة،فإنها كانت وراء حبنا للحياة بصدر  مشرع على الجهات الأربع دون حسابات ضيقة، أو صداقات موسمية.. وذهبنا إلى أقصى تخوم الهزل، إلى أقصى تخوم الجد أيضا.استقطرنا المتعة إلى آخر مداها.. متعة الجسد والعقل والروح!ورفعنا راية العصيان ضد المواضعات الزائفة، في الفكر والسلوك والمواضعات المختلفة، شفيعنا  في ذلك الكثير من الأمل،القليل من متاع الدنيا، الكثير من الحكم والأقوال وقيم العدل والخير والإنتصارللإنسان،القليل من التجربة، الكثير من السذاجة، والحرب سجال.

صديقي العزيز

  كل فرد منا حمل هذه المدينة بين الحنايا، وكأنها تعويذتنا الدائمة التي تمنع عنا البلاء ونحن نبحث عن موطئ قدمعند اختراقنا لبوابة الحلم بهذه المدينة التي أحاطتنا بأسوار من حرير،وأعطاف حارات ودروب من مسك وعنبر!في هذه المدينة تناسل الجد بالهزل ، والهزل بالجد..وتناسلتالحكايا،وجسدت السنوات الأربع، أو الخمس، ما كان وماسيكون..تذكر ، صديقي العزيز، تلك  الليلة الليلاء،التي استيقظ فيها أستاذنا المنتسب إلى العالم الآخر، أستاذالمثل المبتذل الشهير ( ضرب زيد ضربة) الذي عوضه ب( ضرب محمد علي كلاي ضربة)، تذكر لحظة فتحه لباب شقته- والساعة تشير إلى الثالثة صباحا-  مرتعبا، أمام  امرأة مكلومة تحمل صبيا لايكف عن السعال، فلم يجدا أستاذنا الجليل بدا من الصراخ بأعلى صوته وهو  يناقل سبابته بين جبته والمربع النحاسي الحامل لاسمه الكامل ولقبه العلمي الذي أوهم المرأة بالطب والطبابة. ولعن الأستاذ- الدكتور، في تلك الليلة سعال الديكة، وأصوات كل الطيور، معرجا على الحوافر والمخالب والأظلاف والأظافر..

ومادام الشئبالشئ يذكر، سأروي لك وأنت هناك مافعله، أحد المغرمين بالألقاب الزائفة عند حصوله على الإجازة التي وضعها في إطار من نحاس- كما فعل أستاذنا الجليل- وكتب بخط خريض فلان الفلاني: أستاذ مجاز!وقبل أن تشرق شمس الصباح تحول المجاز إلى موجز، بعد أن حفر أحد الخبثاء ،بتقنية عالية، اللقب الجديد الذي جعل ن صاحبنا موجزا بين يوم وليلة. !!

لم نكن نملك إلا العرق، ولتذهب النياشين الزائفة إلى الجحيم.ومنذ  انشغالك- في نهاية المرحلة الجامعية-  بأبي العلاء- وما أدراك بأبي العلاء- لم يكن ديدنك سوى المعرفة والتعرف  والتعريف، برزانة الباحث، وعشق المتيم، ومتعة الولهان.ولم يمنع اشتغال قامتين سامقتين(طه حسين وبنت الشاطئ)  على شاعر الفلاسفة أو فيلسوف الشعراء من  اختيارك، لزاوية غير مطروقة، في هذه المرحلة   مجسدة في السخر عند أبي العلاء،وهواختيارأملته الرغبة في الإضافة واستكناه النص، دون السقوط في تلخيص التلخيص.والحفرلاتكون إلا لضعاف الطير!

 وسيحظى شعر أبي العلاء، بأطروحتك الباذخة- في جزءين-والصادرة في2012التي نظرت فيه لشعر هذا الشاعرعبر حفر أركيولوجي في المتن الشعري العميق ، شرحا وتأويلا وتركيبا لنظرية متكاملة تداخلت فيها البصيرة بالحس ، والوجدان بالمعرفة الواسعة،والإرتحال في المكان والزمان، بالسفر في الذات .وكما جاء  في تقديمك للجزء الثاني بأن الدواوين الخمسة للشاعر( سقط الزند، ولزوم مالايلزم، واستغفر واستغفري، وجامع الأوزان، والدرعيات) إلا شهودا على تشعبات الطريق التي سلكها الإنجاز الشعري العلائي في رحلته الطويلة).

أستسمحك إذا تطفلت قليلا على هذا الميدان،و أشرت إلى أن –والمعري عرف عنه ذلك- الشاعر قد خبر الدنيا خلال سنوات أربع-ولعلها تعادل سنوات الرؤية البصرية- ثم رماها وراء ظهره لينخرط في نسق رؤية البصيرة، والعبرة – على حد قوله- بالمرئي وليس الرائي.

اعذرني إذا تطاولت على شاعرك الأثير، وهو الذى مارس النقد بأنصع أساليبه ، بل مارسه في السلوك اليومي أيضا. وامتناعه عن أكل اللحم ينبع من رؤية عميقة ترى في الكائن مجرد(آكل للحمه إلى أن يحين أجله).

لم يغادر-حربا أو سلما- المعري المعرة، ولم تغادر المعرة المعري. ولم تغادر- صديقي العزيز- مدينة الرحم الأول، ولم تغادرك هذه المدينة وأنت بين أحضان

( وردة الآس). كل ما في الأمر،أن(الطريق انتهت، وابتدأت الرحلة).

صديقي العزيز

هل كنت تعلم بأن هذه المدينة- وأنت تحمل مدينتك الرحم- ستكون مثواك الأخير،بعد أن حضر المثوى الأول ناصعا مثل مياه النهرعندما تتناوب مع السماء الزرقاء خلال أمسيات صيف ينفث عطر المرابع والمراتع بدون حساب.ومن المؤكد أنك قد رددت مع مالك بن الريب بيتيه الشهيرين تمجيدا لمكان المثوى

فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا

برابية إني مقيم لياليا

أقيما علي اليوم أوبعض ليلة

ولاتعجلاني قد تبين مابيا

آن للفارس أن يترجل.

عليك السلام إلى يوم الدين.

عبدالرحيم مؤذن

Advertisements

One comment on “الرحلة العلائية إلى الفقيد العزيز محمد الدنّاي

  1. من طلبة الأستاذ الكريم والفاضل محمد الدناي رحمه الله
    22 يوليو 2013

    رحمك الله يا أستاذي الدناي وجعل مثواك الفردوس الأعلى
    كنت خير أستاذ وأب للجميع جزاك الله عنا خيرا جنة عرضها السماوات والأرض

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 7 يوليو 2013 by .

الابحار