عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

لماذا لستُ مسلما؟ (من أجل انسان عربي ما بعد ديني)

لماذا لستُ مسلما؟ (من أجل انسان عربي ما بعد ديني)

 78fe2ee0-82e5-45dd-9c4b-5ee04e8749c2

ابراهيم هيبة

الإنسان حيوان ميتافيزيقي بامتياز. إنه كائن يضع رجليه و يديه في هذا العالم لكن قلبه غالبا ما يكون متعلقا بأفق أو سماء ما. لهذا السبب لا يعيش هذا الحيوان العمودي بالخبز وحده؛ إنه

كائن لا يستقيم وجوده إلا إذا طُـُعّم بالإيمان والمعنى.منذ أن سكن الكهوف،و الى يومنا هذا،ما إنفك هذا الكائن يصنع الأصنام و يخترع الأديان و يبتكر الأنساق الفلسفية و يضع النظم الأخلاقية؛هكذا جرب هذا الحيوان الميتافيزيقي الوثنية و البوذية و اليهودية و المسيحية والإسلام و مللا و مذاهب أخرى كثيرة لا تني تظهر هنا وهناك. لكن المتأمل في هذه الأنساق الميتافيزيقية،على تعددها و كثرتها وتناقضاتها،لابد و أن يتساءل عن مدى مصداقية مبادئ و عقائد كل واحدة منها على حدة. بل قد ينظر المرء بعين الريبة إلى هذه الأنساق إذا ما تسنى له الاطلاع على الصفحات السوداء من تاريخها في الهيمنة و الغزو و الاضطهاد و التكفير و التفتيش و ما إلى ذالك من صنوف الإرهاب المادي و المعنوي. فمن يوم لآخر تطالعنا وسائل الإعلام بخبر جديد عن تفجير انتحاري هنا أو هناك أو بخبر عن هيئة دينية تحرم كذا وكذا أو دار إفتاء تكفر فلانا أو علانا،هذا بدون أن ندخل في تفاصيل التطاحنات الأيديولوجية و العسكرية بين الجماعات الدينية مع بعضها البعض و مع نظيراتها من الجماعات و الأحزاب الغير دينية،و التي جعلت من لبنان والجزائر،في القرن الماضي،و الصومال و باكستان و أفغانستان،في أيامنا هذه،مسرحا لنرجسيتها و همجيتها.

أمام وضع كهذا حيث لا منطق يغلب على منطق التعصب و الإقصاء و الاستئصال،لا مناص لكل ذي عقل حكيم و منطق رزين من أن يعلق إيمانه الديني لبعض الوقت،أو الى الأبد،حتى يتبين له الحق من الباطل و الواقع من الوهم،وحتى يتسنى له أيضا تصفية ما تراكم في ذهنه من الخرافات و الأباطيل و المغالطات التي تشربها منذ نعومة أظافره عن طريق التنشئة الاجتماعية و القولبة المذهبية.

من وجهة نظر سوسيولوجية،لا أحد منا يخرج من بطن أمه مسلما بل هو المجتمع الذي يرغم المرء على أن يكون مسلما. لهذا لو حدث أن ولد أحدنا في تل أبيب أو في التبت لكان هناك احتمال كبير في أن يصبح يهوديا أو بوذيا. إذن،فظروف الزمان و المكان تلعب دورا يكاد يكون حتميا في تشكيل ايماننا و رؤيتنا لذواتنا و للعالم. فيما يخصني،لا أعتبر نفسي مسلما لعدة اسباب. و تتنوع هذه الاسباب بين أسباب فلسفية و أسباب سياسية و أخرى أخلاقية جمالية.

السبب الفلسفي أو إشكالية الإله الذي لا يكترث

الركيزة العقدية التي تستند اليها الأديان،و الإسلام واحد منها،هي الإيمان بوجود اله شخصي. أعني باله شخصي إله يتحدث الى البشر عن طريق الوحي كما يستمع الى صلوات المؤمنين منهم و يهتم بمشاكلهم و يتدخل في شؤون العالم والتاريخ سلبا أو ايجابا. و الحق انه لا يمكنني أن أؤمن بوجود اله شخصي يسهر على راحة هذا العالم وذلك لوجود ثلاثة موانع منطقية؛أولها حجم الشر الموجود في العالم. يصلي المسلمون خمس صلوات في اليوم و يصومون رمضان و يدعون الله صباح مساء بأن يخلصهم من تسلط الطغاة و كيد “الكفار”،لكن المسلمين لا يرون من صلواتهم و صومهم و تقواهم إلا مزيدا من تجبر “الكفار” و تسلطهم عليهم! مند عقود طويلة و الصهاينة ينكلون بالفلسطينيين صباح مساء و المسلمون في مناطق عدة من العالم من العراق الى الشيشان الى كشمير الى ميانمار يتعرضون لكل اشكال الذل والاحتقار و المهانة،لكن السماء لا تحرك ساكنا! هذه مجرد أمثلة بسيطة من حجم الشر الذي يقع مباشرة أمام أعيننا أو تطالعنا به وسائل الاعلام في كل ساعة و دقيقة؛إنه غيض من فيض،أما ما طواه النسيان أو ما غاب عن عيون المؤرخين من الفظاعات و البشاعات فحدث ولا حرج:من منا،نحن مواطني القرن الواحد و العشرين،لديه فكرة واضحة عن حجم الدماء التي أريقت في الحروب الصليبية؟من يتذكر ما فعله المغول بالمسلمين عند دخولهم بغداد؟وما فعله الامريكان في هيروشيما و نكازاكي أو ما قام به النازيون في أوزفيتش؟العقل يقول بأنه لو كان هناك إله شخصي يهتم لوجود المسلمين في هذا العالم لكان تدخل بشكل ما ليرفع الظلم عنهم.

حسب معرفتي بقوانين التاريخ،المرات العديدة التي تمكن فيه المسلمون من رفع ظلم “الكفار” عنهم لم تتم لا بصلواتهم و لا برفعهم أكف الضراعة الى السماء و إنما بأخذهم بأسباب النصر و التمكين:الحديد و النار. صحيح أن الايمان و الشحن الديني يلعبان أحيانا دورا كبيرا في قلب موازين القوى إلا أنهما لا يحسمان لوحدهما المعركة أبدا. قد يقول قائل “يا هذا،إن ما تراه من شر في العالم هو من صنع البشر و حتى إن كان الله هو من يصنع “الشر” فإنه يفعل ذلك ليختبر حرية اراداتنا و إيماننا،” و أنا اقول بأنه صحيح أن قدرا كبيرا من الشر الموجود في العالم كالحروب و الاستبداد مثلا هي بلا شك من أيدي البشر لكنني لا أرى كيف أنسب الشرور الموجودة في الطبيعة الى البشر؟!بين الحين و الاخر تطالعنا وسائل الاعلام بخبر لزلزال هنا أو هناك حيث تتهشم رؤوس الاطفال و الرضع تحت الانقاض،بل فيهم من يقضي الليالي و الايام يئن تحت اكوام الاسمنت الى ان يأخذه الموت البطيء،فيما الأب السماوي لا يكترث!!هذا دون ان نأتي على ذكر انواع السرطان التي تنهش أجساد العديد من البشر و التي يبدو بأن عددا كبيرا منها لا علاقة له بالبيئة ولا بالتغذية. و ماذا نقول ايضا عن الاطفال الذين يخرجون من بطون امهاتهم مشوهين أو معاقين؟!

و الحق انه حتى إن سلمنا بأن هذه المصائب هي “عقاب إلهي” فانه لا يسعني إلا القول بأن هذا العقاب عقاب عبثي و تعوزه العدالة و الحكمة لأن تداعيات الزلازل و الأوبئة و التشوهات الخلقية لا يحصد ثمارها المرة عادة إلا الفقراء و المساكين و و النساء و الاطفال الذين لا حول و لا قوة لهم لرد اضرار تلك التداعيات،أما فاحشوا الثراء و الجبابرة و الأشرار فلديهم أكثر من حيلة لرأب الصدع و تخفيف الضرر.

لنبتعد عن عالم البشر و ننظر في المسألة التالية:كيف نفسر الشر والألم الذي يطال عالم الحيوان؟كل مئة أو مائتي مليون سنة يصطدم نيزك بجسم الارض فيخلف دمارا و خرابا لا يبقي و لا يذر. أخر كارثة من هذا النوع وقعت،حسب بعض الدراسات،منذ حوالي مائتين و خمسين مليون سنة حيث أجهز جرم سماوي على كل مخلوقات الارض فلم ينجو منها لا يربوع و لا دينصور.و مرة أخرى لا رى كيف أفسر علاقة هذا الشر بالسلوك الاخلاقي لليرابيع و الدينصورات؟!قد يقول قائل إن الألم خاصية انسانية و أن الحيوانات لا تتألم بالشكل الذي يتألم به الانسان نظرا لخصوصية الوعي عند الانسان و الحيوان،و أنا أقول بأنني لن أحيل القارئ على أية دراسات علمية بخصوص هذا الموضوع بل يكفيه فقط مشاهدة أي برنامج وثائقي يصور مشاهد الصيد عند الحيوانات في البراري و سيرى بأم عينيه مدى الهلع و الفزع الذي تثيره السنوريات في بعض الحيوانات العاشبة. ثمة سباع تنهش بطون ضحاياها و هي حية واقفة تتنفس؟!

الــديــن عــدو للــديــن

السبب الأخر الذي يمنعني من أنتمي الى دين ما هو الاديان نفسها. إذا كان هناك اله شخصي يحرس هذا العالم فإن الضرورة المنطقية تقول بأنه لا يجب ان يسمح هذا الإله إلا بدين واحد. لكن ما نراه من حال الأديان في زماننا و في زمان من سبقونا هو أنها ليست كثيرة فقط بل هي متناقضة و متضاربة و يزدري بعضها البعض الاخر. قالت النصارى ليست اليهود على شيء و قالت اليهود ليست النصارى على شيء و قال القران من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الاخرة من الخاسرين. فهذا دين يدعو الى التوحيد و ثان يدعو الى التثليث و ذاك يدعو الى التعالي المطلق و أخر الى المحايثة الكاملة. ثمة من يقول بأن دائرة الحقيقة اكتملت مع عيسى و أخر يقول مع محمد؟!وهذا يقول بأن الانجيل محرف و أخر يقول بأن محمدا ليس نبيا أصيلا،من نصدق؟من نتبع؟بل حتى لو تمكن المرء من اجتياز عقبة التنوع الفاحش للأديان و اختار دينا معينا فلن تطول فرحته طويلا لكي يجد نفسه في حيرة من أمره في اختيار المذهب الذي سينتمي اليه!!إذا اختار أن يكون مسلما فهل سيكون سنيا؟أم شيعيا؟أم سلفيا أم صوفيا؟ السنة يكفرون الشيعة و الشيعة يفسقون السنة! و إذا اختار المرء ان يكون مسيحيا،فهل سيكون كاثوليكيا أم بروتستانتيا أم مورمونيا؟من الواضح أن التعدد الفاحش للأديان لا حدود له،فتحت كل دين هناك أديان!!

في الانجيل مثلا هناك مسيحيتان:مسيحية عيسى و مسيحية الرسول بولس. مسيحية الأول تتكلم لغة صوفية تحاول أن تصالح الانسان مع نفسه و مع شبيهه و مع العالم أيضا. فيما مسيحية الرجل الثاني تطغى عليها نزعة زهدية و ميل الى كره العالم و الرغبة في الانفصال عنه. في الاسلام ايضا هناك إسلامان:اسلام القران و اسلام المذاهب الفقهية. الاسلام الاول يتكلم في معظمه لغة كونية ويحاول اخراج الانسان من الدوائر الضيقة للعرق و الجنس و الانتماء الطبقي؛انه اسلام في مجمله انساني النزعة. لكن بالمقابل اسلام المذاهب الفقهية اسلام تطغى عليه لغة الوعد و الوعيد و لا يرتب الوجود الانساني إلا عن طريق سلسلة من التحريمات و الحدود و الطابوهات. تاريخيا،انتصرت مسيحية بولس في الغرب فيما انتصر اسلام الفقهاء في الشرق.

إذن نظرية وجود اله شخصي يسهر على راحة هذا العالم نظرية متهافتة يعوزها الاتساق الفكري و تعتريها الكثير من التناقضات المنطقية. لكن قد يقول قائل “حسنا يا سيدي اذا صدقت في قولك بأنه ليس هناك اله شخصي يحكم هذا الكون،اذن من أين جاء هذا الكون؟من خلقه؟أم انك تقول كبعضهم بأن هذا الكون من صنع الصدفة؟!و ماذا عن هذه الملايين من الناس الذين يؤمنون بوجود الله و بنبوة محمد؟!و ما قولك في اللذين جاهدوا بأموالهم و بأنفسهم للدفاع عما امنوا به؟!أم تراك تقول بأنهم على خطأ و أنت وحدك على صواب؟!”لأجيب على هذه الاسئلة أقول أولا بأن احدى أسوأ طرقنا في التفكير هي أننا غالبا ما ننظر الى العالم من خلال ثنائية بالية:ثنائية الابيض و الأسود. و الحق أن العالم له أكثر من بعد و أكثر من وجه. إنه أعقد مما نتصور؛لهذا يجب أن نترك في مقاربتنا لتعقيدات هذا العالم الثنائيات الاختزالية كثنائية الخير و الشر أو الحق و الباطل أو الايمان و الكفر أو الهداية و الضلال. و إذا كنت قد بدأت بالتشكيك في وجود اله شخصي و في مصداقية الأديان،فإن ذلك لا يعني بالضرورة انني أجزم بعدم وجود مبدأ اسمه الله أو أنكر بعد من أبعاد النفس البشرية اسمه الدين. حذار ثم حذار! هناك فرق بين الايمان بالله بمعناه الفلسفي و الايمان بالله بمعناه الديني،كما أنه هناك فرق بين التدين بمعناه الروحي و بين الانتماء الى دين معين بمعناه السوسيو- سياسي. بالنسبة للسؤال ما إذا كان هناك اله شخصي يحكم البشر و الحجر كما هو مصور في القران مثلا و كما يؤمن به عامة الناس،فإنني كنت واضحا و قلت بأنه لا يمكنني ان أؤمن بهذا الاله و ذلك للأسباب الفلسفية التي بينتها أعلاه. أما بالنسبة للسؤال عن أصل العالم فإنني أقول بأنني عاجز عن الإجابة عن هذا السؤال و ذلك لعدة أسباب أو عوائق،بعضها أونطولوجي (له صلة بطبيعة وجودي في هذا العالم) و بعضها الاخر إبستيمولوجي (له صلة بإشكالية معرفة العالم).

العائق الأونطولوجي أو محدودية الكائن

لا يمكنني ان أصل الى تصور و اضح و محكم بخصوص مفهوم الله؛فأنا عاجز حتى عن معرفة هذا العالم فكيف لي بمعرفة ما يتجاوز هذا العالم و يتعالى عليه. من و جهة نظر كونية،وجودي لا يساوي جناح بعوضة،من قبلي و من بعدي يتمدد الزمان بشكل سرمدي و من فوقي و من تحتي ينتشر العدد اللانهائي للكواكب و المجرات. وجودي وجود نسبي تحكمه احداثيات الزمان و المكان التي هي الاخرى لا فككاك لها من النسبية الكونية.كيف إذن لكائن مثلي أن يحيط بكائن مطلق يقع خارج الزمان و المكان؟!عقلي، رغم ملايين السنين من التطور و الانتخاب الطبيعي،عاجز عن فك أحجية الكون. صحيح انه يستطيع استيعاب مجموعة من المسائل،لكنه لا يستطيع الاحاطة بالكل؛فالكل يسبقني و يعبرني و يحتويني و يتجاوزني:أنا مجرد حبة رمل على الامتداد اللامعقول لشاطئ الكون.

من الواضح أن هذا الكون،على الأقل في بعده الفيزيائي،فيه قدر كبير من المعقولية و تحكمه قوانين طبيعية ثابتة،من منا بإمكانه أن ينكر قانون الجاذبية؟!بل يمكنني أن أذهب إلى أبعد من هذا و أقول بأن هذا الكون بكل تجلياته هو بشكل ما انعكاس أو صفة لمبدأ أو جوهر اكبر منه و يتعالى عليه،لكنني بالمقابل لا أستطيع ان أجزم بطبيعة هذا المبدأ. قد يكون هذا المبدأ روحا على طريقة الفلسفات الشرقية من بوذية و هندوسية وقد يكون اللانهائي حسب بعض فلاسفة الاغريق أو الجوهر كما جاء في فلسفة إسبينوزا و الذي هو علة ذاته و علة كل شيء. كل ما يمكنني قوله هو أن هذا المبدأ الكبير الذي يسميه الفلاسفة باللانهائي أو العلة الاولى أو الله،كما يسميه اللاهوتيون،هو موضوع يتجاوز مدارك العقل البشري. إن النظر فيه أشبه بل بالأحرى أهول من النظر الى هوة سحيقة حيث كلما امعنت النظر كلما ازدادت الظلمة و ضاقت الرؤية. لا أعرف من هذا الذي يقع في قاع الهوة إلا الإسم:الله.

في تناولها لسؤال وجود الله لا يمكن ان أقول عن كتب الفلسفة إلا انها لا تروي عطشي أما كتب الدين فتضحكني. كلما تعمقت لأتيقن ازداد شكي و كلما قرأت لأتفقه ازداد الاحساس بفداحة جهلي. أناقش كثيرا و احلل كثيرا و اتكلم كثيرا،و في النهاية اجد بأن افضل فلسفة يمكن ان يتبناها الانسان تجاه ما بعد الكون هي الصمت. فيتغنشتاين على حق:”حيثما لا يكون بمقدور الانسان الكلام يستحسن له ان يلزم الصمت.”ولهذا السبب أيضا لا أصلي. لمن أصلي؟! من الواضح أنه لا يمكنني أن أعبد قانون الجاذبية أو أسجد للثقوب السوداء أو أركع للظلام و الغموض الممتدين على أطراف الكون. و حتى لو سلمنا جدلا بأن هناك إله وراء الضباب،هل ستكون الصلاة أفضل وسيلة للتواصل معه؟ لا أظن ذلك، أفضل وسيلة أخرى:التأمل. الكون هو أفضل كتاب قرأته؛حديقة ملأى بالزهور و الورود اشد بلاغة و تبيانا من القران و من كل الأناجيل قاطبة.

لقد تخليت منذ زمن بعيد عن استعمال هذا الإسم:الله. فمن فرط استعماله من طرف الناس و رجال الدين اصبح هذا الاسم مجرد كلمة رثة و بالية لا تكاد تعني أكثر من الاحالة على رجل ذي ملامح صارمة و لحية كثة بيضاء يجلس في مكان ما وراء السحب. الله بالمعنى الديني للكلمة قد مات و انتهى منذ القرن التاسع عشر. لقد قتلته فيزياء لابلاس و جينيالوجيا نيتشه. إذن في ضوء العوائق الأونطولوجية التي ذكرت افضل ان ألتزم الصمت أو على الاقل أن أسمي هذا المبدأ المفارق للكون بــــ: المستحــــــــــيل.

العائق الإبستمولوجي أو جدار ماكس بلانك

من بين المطبات التي يمكن ان نقع فيها عندما نبحث في اشكالية وجود الله من عدمه هي مشكلة المفاهيم التي ننطلق منها للتعامل مع هذه الاشكالية؛والحق ان أغلب المفاهيم التي نستعملها في التكلم عن الله هي مفاهيم فاقدة للمصداقية و ذلك لعدة أسباب:فهي أولا مفاهيم محدودة لا تنطبق إلا على الوجود الانساني في هذا الكون و بالتالي فهي مفارقة للوجود الالهي. انها مجرد اسقاطات لتجربتنا في هذا العالم على العالم الذي فوقه. مفهوم السببية،العلة الكافية،الزمان،المكان،الذات،الارادة كلها اسقاطات لخبرة الانسان في كوكب الارض على مبدأ يتجاوز كوكب الارض. ثمة جدار مفاهيمي يقف بيننا و بين المطلق و عند هذا الجدار،يقول الفيزيائي الألماني ماكس پلانك،تتعطل القوة التفسيرية لكل مفاهيمنا العلمية و الفلسفية فتصبح دون جدوى و لا يعود يلوح في الأفق إلا العتمة و الصمت المطبق. ألم يخبرنا رواد الفضاء و علماء الفيزياء الكونية و على رأسهم أينشتاين و هوكينغ بأن مقاييس الجاذبية و الزمان و المكان تتغير فتنكمش أو تتمدد من نقطة في الكون الى نقطة أخرى؟!

لهذا السبب لا أؤمن بالله في نسخته الدينية،إنه كائن مشبع بالتشبيهات و الاسقاطات،إنه كائن خرافي…صنم صنعته مخيلة العوام.الله كائن غير قابل للتصور؛ونحن من خلال تجربتنا في العيش في مجرة التبانة لم نختبر من أبعاد الوجود إلا بعدان فقط:بعد الامتداد المادي و بعد الفكر. ومن المحتمل أن للكون أو الله ابعادا و صفات لا نعرفها و لا قبل للعقل بها؛لهذا كلما أمعنا النظر في اشكالية وجود الله و مهما تسلحنا بأقوى أسلحة المنطق و الفلسفة فإننا في نهاية المطاف لن نظفر بأكثر من صورة مشوهة عن المتعالي سرعان ما ستظهر فيها العيوب و الثقوب فيتجاوزها تاريخ الفكر. فما يوجد في كتب اللاهوت من صفات و اسماء لله هي في عمقها مجرد صور مشوهة أو أصنام صنعها العقل الانساني القاصر. و هذا ما يفسر التضارب في الصفات و الاسماء من دين لآخر بل و حتى في الدين الواحد. باختصار، لو كان الفيل يتكلم لقال لنا بأن الله ضخم و له خرطوم طويل.

لا تمـلـي السـمـاء حـلالا و لا حـرامـا

كلما طرحت مسألة الايمان بالله من عدمه،كلما طرح سؤال الاخلاق. من أين يستمد الانسان مبادئه الاخلاقية إذا كان لا يؤمن بوحي إلهي؟! للإجابة على هذا السؤال أقول إذا كانت الاخلاق مجموع المبادئ و القيم التي تؤطر السلوك الانساني بحيث تساعد الانسان على العيش في جو من المحبة و التراحم و الانسجام مع محيطه الاجتماعي و الطبيعي،فإنه لا حاجة لإله شخصي لكي يملي علينا وصاياه بخصوص ما يجب و ما لا يجب فعله؛فقوانين التطور و التكيف و التثاقف الحضاري كفيلة بذلك. هناك أمم و حضارات لم تعرف نموذج الوحي و النبوة على طريقة عيسى أو محمد،لكنها أنتجت انساقا اخلاقية في غاية الروعة و الجمال و لنا في البوذية و الكنفوشيوسية و الطاوية و الفلسفة اليونانية امثلة شاهدة على ذلك. إن القاعدة الذهبية التي تتأسس عليها الاخلاق قاعدة بسيطة و يمكن ان يفطن اليها كل ذي عقل لبيب و فطرة سليمة:لا تعامل الناس بما تكره أن يعاملوك به. ما مرره لنا عيسى و محمد من مبادئ و قيم سامية لم يكن ابدا وحيا أو املاءات من السماء و انما هي “أنوار طبيعية” جاءت نتيجة لحوارات صادقة مع الذات و تأملات عميقة في قوانين الكون و النفس. فالغش و الكذب و الخيانة كلها امور يستطيع الانسان بالعقل وحده ان يعرف بأنها مذمومة و ذلك لسبب بسيط هو أنها تعرقل السير الطبيعي لميكانيكا الاشياء و تنخر في كيان المجتمع كما ينخر السوس في الخشب. ألم يكن المعتزلة يعتبرون الحجة قائمة على الناس بالعقل لا بالنبوة فحتى من لم يبلغه خبر الرسول فهو محجوج لتقصيره في إعمال عقله للوصول إلى الحقيقة؟!إذن فبنفس الطريقة التي يعرف بها الانسان منافع النار و مخاطرها يستطيع ايضا معرفة ايجابيات اي سلوك و سلبياته:لاشيء يعلو على التجربة.السماء لا تملي علينا حلالا و لا حراما.

و الحق انه يجب اعادة النظر في مفهوم الفضيلة كما ورثناه عن ثقافتنا الإسلامية؛فلا مجال بعد اليوم لكي نؤسس نظمنا الاخلاقية على الاحساس بالذنب أو الخوف من العقاب الالهي. يجب التأسيس لأخلاق ما بعد اسلامية. أخلاق تجريبية تداولية… أخلاق يشارك في انتاجها الفيلسوف و الطبيب و المهندس و الموسيقار و حتى الفلاح. يجب ان تنبع الاخلاق من الارض و ليس أن تنزل من السماء. فبنفس الطريقة التي ندرس بها كيمياء الصخور يجب ان ندرس بها كيمياء الحلال و الحرام،كل شيء ملزم بالدخول الى المختبر سواء أكان هذا الشيء الله أم الشيطان. هذان مفهومان أهم من أن نتركهما لعبث الملالي و القساوسة.

بالرغم من كل الجوانب المشرقة من القرآن خصوصا تلك المتعلقة بالأخلاق،تبقى هناك اشكالية في التعامل مع بعض جوانبه التشريعية الاخرى لاسيما تلك التي لم تعد تتلائم و روح العصر. فالقران مستويان:إشراقات صوفية تلامس الكوني فتتعالى على كل خصوصية زمانية أو مكانية،و تشريعات استنفذت قوتها الحضارية فوجب تجاوزها. هناك جوانب تشريعية و قانونية من القران ما عاد من الممكن تطبيقها في هذا العصر لما طرأ من التغير على البنيات الاجتماعية و التقدم الذي حصل على مستوى العقليات و اشكال الحوار و الدبلوماسية التي أصبحت تؤطر العلاقات بين افراد المجتمع الواحد من جهة وبين دول و شعوب العالم من جهة ثانية. و الحق انه يجب علينا أن نتخلى عن ذلك الاعتقاد الذي يقول بأن القران أو الاسلام بشكل عام صالح لكل زمان و مكان؛فالوقائع تكذب ذلك بل يمكنني القول بأنه كلما سرنا قدما على طريق التقدم و التحضر كلما وجدنا أنفسنا ملزمين بالتخلي عن الكثير من الامور التي نعتبرها من “ثوابت” العقيدة الإسلامية،أو على الاقل نجد انفسنا ملزمين بإعادة قراءة تلك “الثوابت” على ضوء متغيرات العصر.

لقد تعلمنا من درس الأنثروبولوجيا بأن لاشيء مطلق و متعال على التجربة في ثقافات الشعوب و بأن كل مجموعة بشرية تبني نظمها الاخلاقية و الدينية استجابة لحاجات عملية و مادية في محيطها السوسيو-اقتصادي.فإذا كانت بعض تشريعات الاسلام في قضية ولاية المرأة أو في حصتها من الميراث أو في قيمة شهادتها في مقابل شهادة رجل واحد أو في الجزية أو العبودية أو حكم المرتد مفهومة في سياقاتها التاريخية القروسطية،فإنه ما عاد ممكنا أن نصبغ عليها صفة الإطلاقية باعتبارها تشريعات مطلقة تقع فوق كل و نقد أو مساءلة أو أنها تتعالى على قوانين الزمان و المكان.

والحق انه مع توالي العصور و القراءات النقدية للقران لن يبقى منه إلا ما هو كوني و ما يتوافق مع قوانين الطبيعة، كل ما هو نسبي و أنثروبولوجي سيذهب مع الريح. ففي زمننا هذا،زمن التكنولوجيا الرقمية و الهندسة الجينية و الفيزياء النووية و الفلسفة التحليلية،لا مجال لأن نقرأ القران بالطريقة التي قرأه بها أجدادنا،و بالتالي لم يعد ممكننا الحديث على سبيل مثال عن المعجزات. ما نعرفه من معجزات محمد وباقي الانبياء كما جاءت في السرد القراني أنها لم تكن إلا استراتيجيات بلاغية لتحريك نفوس البسطاء و هز مشاعرهم؛بل حتى لو سلمنا جدلا بإمكانية حدوث تلك المعجزات فإن القرائن المادية على وقوعها فعلا تكاد تكون معدومة و هي لا تتجاوز مستوى الحكي و الرواية. كما ان هناك اشكالية اخرى تطرح بخصوص هذه المعجزات و هي قوتها الراهنية.لنسلم جدلا بأن موسى فلق البحر الى نصفين و أن عيسى عالج الابرص و الاكمه و الاعمى و أن محمد انشق له القمر و بأنه كان يسلم عليه الشجر و الحجر،فما هي القيمة الفلسفية أو الحضارية لهذه المعجزات؟ الجواب:لاشيء. المعجزات بمعناها التقليدي العجائبي لن تفيدنا شيئا في الاجابة على اشكاليات العصر التي تحاصرنا من كل حدب و صوب.

أعـيــدوا النــظر في قـــراءاتـكـم!

المسلمون لا يحسنون قراءة كتابهم المقدس.كل تفسيراتهم لما بين دفتي المصحف مؤدلجة و لا صلة لها بالقراءة كعلم و فن. مثال:تقوم جماعة اسلامية متعصبة باغتيال مثقف أو بتفجير انتحاري،تتوالى ردود الفعل اعلاميا و سياسيا. يهب رجال الدين لانقاد ماء الوجه بشجب الاغتيال أو التفجير بالحديث عن سماحة الاسلام و رحمته،فيستشهدون بعدد غير قليل من الآيات و الأحاديث التي تدعو الى المحبة و التعايش و السلم. المشكلة في هذه الايات و الأحاديث أنه ليس هناك من منهجية مضبوطة لدى المسلمين لقراءتها. فهناك مثلا من يقرأ الايات قراءة مزدوجة و ذلك تبعا للظروف السياسية و موازين القوى،و ثمة من يقرأها قراءة حرفية،فيما بعضهم يحاول أن يضعها في سياقاتها التاريخية! مثلا،في حوارهم مع الغرب و مع منظمات حقوق الانسان لا يكل الفقهاء من الحديث عن انفتاح الاسلام و سماحته و هكذا تجدهم كلهم يقتبسون بشكل ٱ-;—;–لي الآية التي تقول “لا اكراه في الدين” أو الاية التي تقول(لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا)، لكن عندما يخلون الى انفسهم أو عندما يكون ميزان القوة في صالحهم،وهذا حال جل حركات الاسلام السياسي،تجدهم لا يقسمون إلا بالآية التي تقول:”مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” أو الحديث الذي يقول “من بدل دينه فاقتلوه.” إنه النفاق على الطريقة الاسلامية … إنها سياسة المعايير المزدوجة و الكيل بمكيالين.

والحق أن القرءان لا يخلو من الايات التي تدعو الى المحبة و السلم لكن ما إن تطوي صفحة من صفحاته حتى تجد في الصفحة الموالية ايات تنقلب على كل سابقاتها. هذا الانقلاب الإبستيمولوجي يسميه بعض رجال الدين،من باب اللطف في التعبير،بالنسخ. مثال:تجد اية في حرية المعتقد تقول (لو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)لكن لن تطول قراءتك طويلا حتى تجد بعدها اية أخرى تنسف كل ما سبق ذكره:(قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ)!

يقول بعض المعتدلين من رجال الدين بأن الاسلام دين الحجة و العقل و الحوار و أن القرآن لا يأمر المسلمين أن يقاتلوا أو يعادوا الناس كلهم،و بناء عليه تجدهم يستشهدون بالآية التي تقول :(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) لكن سرعان ما يرد عليهم الصقور من رجال الدين الاسلامي بأن الآية منسوخة!!من الذي نسخها؟يقولون نسختها آية السيف:(فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ)،ثم يرد المعتدلون مرة أخرى بأن هذه الآية جاءت في مشركي قريش و مشركي العرب و بالتالي يجب قراءتها في سياقها التاريخي. السياق التاريخي؟!كلام الله له سياق تاريخي؟! أنا مستعد أن أقرأها في سياقها التاريخي لكن المشكلة كما سيبقى من القرءان إن قرأنا كل آياته قراءة تاريخية؟ فمن الواضح أن جل قوانين القرءان قد استنسختها (أو لنقل بشكل صريح تجاوزتها) الحداثة بقوانينها الوضعية.

والحق أن مزالق المسلمين في قراءتهم للقرءان لا تكاد تحصى أو تعد. اذهب الى أي مسجد و انصت الى بعض خطبهم أو صلواتهم ستجد بأن اكثرهم لا يعرفون ما يقولون؛هناك من الأئمة من يبدأون الصلاة بآيات في النكاح و المواريث و الحدود و الغزو.إنني لا أفهم كيف يمكن التقرب من الله بترتيل وتجويد نصوص قانونية أو زجرية؟! على فقهاء الإسلام أن يتكلموا لغة مفاهيمية واضحة بلا بلاغة و لا مجاز و أن يمدونا بإستراتيجية محكمة تمكننا من فهم القرءان فهما صحيحا حتى نأمن الوقوع في مزالق الأصولية بنوعيها الديني و العلماني. نريدهم مثلا أن يقولوا لنا هل القرءان كلام الله كلمة كلمة و من الغلاف الى الغلاف؟ أم أنه كلام الله من حيث الجوهر لكنه صيغ بأسلوب محمد؟و هل بعض آياته التي تتعارض مع قيم الحداثة و حقوق الانسان يجب أن تقرأ في سياقات القرن السابع للميلاد أم أنها صالحة لكل زمان و مكان؟

إذا لم يتمكن القيمون على الاسلام من الإجابة على هذه الأسئلة،فإننا سنبقى دائما حبيسي التفسيرات المغرضة و القراءات الأيديولوجية المتلاعبة. خد مثلا مصطلح “الكافر،” لم أرى في الميتافيزيقا الاسلامية مصطلحا أشد لبسا و غموضا منه؛إنه فضفاض و لدائني بشكل غير معقول. فهو يستعمل أحيانا للدلالة على كل ملحد أو كل من يدين بدين وثني،وأحيانا يضيق ليشمل اليهود والمسيحيين،ثم تجده مرات أخرى يضيق و يضيق ليشمل حتى الشيعة، بل يبلغ الضيق مداه ليحيل أحيانا على كل من ليس عضوا في هذه الجماعة السلفية أو تلك! يا مسلمي العالم أعيدوا النظر في قراءاتكم!

نظــام انـتـاج الحـقـيقــة في الاســلام

التأويلات الرائجة للإسلام اليوم لا تثلج الصدر؛فهناك تأويلات متعددة لكن لا يجمع بينها إلا بشاعتها و بؤسها و قهرها للبلاد و العباد. هكذا انتجت هذه التأويلات بشكل عام ثلاثة إسلامات: اسلام السلاطين و اسلام طالبان و اسلام البرجوازية المتوسطة. الاسلام الاول يعمل على حمايته و ترسيخه من يسمون بوعاظ السلاطين الذين باعوا روحهم للشيطان و لم يعد يهمهم إلا ايجاد المبررات الدينية لاستبداد السلطان و انتاج خطاب ديني لا يكرس إلا الوعي المزيف و التلاعب الايديولوجي بعقول البسطاء. انه خطاب أحل واحدية السلطان محل وحدانية الله. نماذج هذا الاسلام لا تخطئها العين :السعودية في العالم السني،و ايران في العالم الشيعي؛هذا الاسلام هو ما يسميه ماركس بأفيون الشعب. و هناك اسلام طالبان و هو اسلام شرس همجي و يعاني من ضيق أفق فكري خطير. و دليل ذلك قراءاته الحرفية للنصوص. في كلا هذين المعسكرين،معسكر اسلام وعاظ السلاطين و معسكر اسلام طالبان،يوجد الكثير من الناس الذين هم على استعداد لأن يدافعوا عن هذه العلامة الاسلامية الرائجة بكل ما أوتوا من قوة و رباط الخيل،غير أن الامر هنا لا يتعلق بصراع من أجل الحقيقة يمكن الحسم فيه بالحجة و المنطق،بل هو صراع من اجل أشياء أخرى كثيرة. فالأمر فيه نفوذ و جاه و سلطة و حظوة و وجاهة اجتماعية و أشياء اخرى كثيرة.

يبقى الاستثناء الوحيد الاسلام البرجوازي أو اسلام الطبقة المتوسطة العليا و هو اسلام لا بأس به متصالح مع الحداثة الى حد ما،كما أنه يميل الى الاعتدال؛انه اسلام ليبرالي عملي لا يهمه كثيرا التدخل في شؤون الاخرين و منفتح على الاخر المختلف بشكل كبير. كما انه حريص على اقامة علاقة شخصية مع الله عكس الاسلام السياسي الذي ينزع الى جمهرة الاسلام و جعله دينا شموليا بالمعنيين السوسيولوجي و الفاشستي للكلمة.

والحق ان الخطاب الاسلامي الذي يتداوله المسلمون اليوم خطاب بئيس و يعاني قطيعة مزدوجة. القطيعة الاولى قطيعة تاريخية تكمن في جهل المسلمين العرب بالجانب المستنير من الفكر الاسلامي الذي ساد حضارتهم في عصرها الذهبي (المعتزلة مثلا) و القطيعة الثانية قطيعة ابستيمولوجية تكمن في امتناع المسلمين العرب عن النهل من منجزات القرن الحادي و العشرين خصوصا في جانبها الفلسفي. عندما أقرأ الخطاب الاسلامي لا أحس بتاتا بأنني مواطن في جمهورية أو أنني أسبح في منطق فلاسفة عصر الأنوار؛فهذا الخطاب أبعد ما يكون عن أن يقدم رؤى خلاقة حول الله أو الانسان أو الفضيلة. في مجتمعات تطغى فيها لغة السوط على لغة المنطق و لغة الولاء الايديولوجي على لغة الرصانة العلمية ليس بالإمكان انتاج خطاب ديني يدفع المجتمع بعيدا على سكة التقدم. أي تفكير في جو يسوده التكفير؟! و أي قوة للحق في بلاد يطغى فيها حق القوة؟!

إن المفاهيم و الآليات التي يشتغل بها الخطاب الاسلامي المعاصر مفاهيم ما قبل-علمية و هي في اغلبها مجرد مسلمات لم تخضع للتمحيص العقلي و التحقق التجريبي. “المفكر” الاسلامي ليس مفكرا إلا بالمعنى المجازي للكلمة؛انه كائن عقائدي لا يقارب مسألة من المسائل إلا من خلال الانطلاق من حزمة من المسلمات و الغيبيات كعصمة النبي أو الوهية النص القراني أو علوه على الواقع أو بالرجوع الى ما قاله الاجداد في العصور الغابرة عن تلك المسألة. لا ذكر،في مقاربة “المفكر” الاسلامي لنازلة من النوازل للسياق التاريخي و لا لنسبية الزمان و لا لخصوصية المكان و لا لجمع المعطيات و دراستها. إن المفكر أو العالم الجدير بهذا الاسم لا ينتج معرفة حقيقية و دقيقة بظاهرة من الظواهر إلا بعد أن يطرح أسئلة دقيقة ذات الصلة بالمسألة،فينبري بعد ذلك لملاحظة الظاهرة كما تتجسد في الواقع،ثم يسجل ملاحظاته فيفحص بعدئذ تلك الملاحظات في ضوء الدراسات ذات الصلة بالمسألة أو في ضوء مقتضيات الواقع،ثم بعد ذلك يمكن ان يخلص الى نتيجة يمكن ان يسميها قانونا أو نظرية أو رأيا و ذلك حسب طبيعة المسألة أو الاشكالية. دلوني على واحد من “مفكرينا” الاسلاميين و مجالسهم “العلمية” يلتزم بهذا المنهج؟!

والحق انه لا شيء يدهش في بؤس الخطاب الاسلامي فقد كانت منطلقاته في النظر في الظواهر منذ القدم نظرة لاعقلانية فكيف بالأحرى ان تكون نظرة علمية. فمفهوم الحقيقة في الميتافيزيقا الاسلامية لا يقدم في صورته الاجرائية التداولية؛أي أن الحقيقة نتاج مسار طويل من النظر و اعادة النظر و أنها نتاج حوار لعقول متعددة من زوايا متعددة،بل تقدم الحقيقة على أنها كاملة و نهائية و أن محمدا خاتم الانبياء و كل من جاء بما خالف ما أتى به محمد فهو كذاب. رفعت الاقلام و جفت الصحف. و هكذا لا وجود في المناخ الفكري السائد في مجتمعاتنا الاسلامية لمفاهيم التفرد و الذاتية و التميز و الاختلاف؛الانسان مجرد رقم أو حرف في أمة المليار و خمسمائة مليون نسمة. و المنتمي لهذه الأمة لا وجه و لا صورة له،لقد تعرض للمسخ. فعلى الصعيد المعرفي لا ينتج المسلم و لا يضيف شيئا؛ إن عمله أو رأيه دائما ما يكون ثانويا؛فهو فقط يفسٌر ويوضٌح ويطٌبق بانيا ما يحضر على ما مضى. الحقيقة توجد في النص ولهذا ليس للإنسان أن يضيف شيئا من عنده، فالنص ثابت والعالم متغير.كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار. ليس الإنسان من يمتلك النص،بل النص هو الذي يمتلك الإنسان والعالم معا. ذاتية الانسان العربي مرهونة لدى إطلاقية النص؛لاشيء ينظر اليه في ذاته و في فرادته؛كل شيء يرد الى النص ولذلك فإن مشكلاتنا لا تناقش في ذاتها:مشكلاتنا الجنسية ليست جنسية بل هي أخلاقية دينية،تخلفنا ليس مشكلة سوسيو-ثقافية بل يعود الى كثرة التبرج و تفشي الاختلاط. لا أقلاع حضاري ممكن خارج الحقل الرؤيوي للدين!!

يعلمنا الموروث الديني الإسلامي أن القائل برأيه في الدين مخطئ،و أنه لا اجتهاد مع و جود نص. يقول الطبري “لا معرفة في الدين إلا بالنقل.” إذن المعرفة لا تأتي من الذات وإنما من الجماعة،وبهذا تكون المعرفة سياسة لا إعمالا للعقل و النظر أيديولوجيا لا نقدا. يقول هيراقليطس بأن المرء لا يسبح في النهر الواحد مرتين،العقل العربي يسبح في بركة اسنة منذ اربعة عشرة قرنا!

وهكذا فالدين لا يتمثله الأتباع كحقل معرفة وبحث و استبصار،وإنما يتمثلونه كحقل أوامر ونواه. لا يزال الإنسان العربي في قراراته النفسية العميقة كائنا دينيا سلفيا يستظهر المتون و الحواشي أكثر مما يفكر و يتفكر. وفي هذا ما قد يفسر انعدام التجارب الإنسانية الكبرى والتساؤلات الإبداعية الخلاقة في العالم العربي. هناك مليار وخمسمائة مليون نسمة ليس فيهم مفكر واحد يقرأ نصه الديني قراءة متفردة. فالفرد محكوم عليه بأن يعيش وفقا لصورة نص أو نموذج من القرن الثامن الميلادي؛إنه ملزم بأن لا يتحرك و بأن لا يتغير حتى يأذن الله له،هكذا يبدو كل شيء في الميتافيزيقا الإسلامية … كائنات ادمية تتحرك بدون ارادة ذاتية.

الــــصـــراط الــــبــــديــــل

من بين كل الأسئلة الفلسفية قاطبة لا سؤال أكثر أهمية من سؤال الخلاص. كيف أعيش في هذا العالم الشديد التقلب،الموغل في التعقيد؟كيف أدير حياتي الشخصية؟كيف أتعامل مع الاخرين؟أين تبدأ حريتي و أين تنتهي؟ما هي حدود عالمي و أين يبدأ عالم الاخرين؟كيف أفكر؟فيماذا أفكر؟بماذا أؤمن و بماذا أكفر؟من أين أتيت؟لماذا أنا هنا؟الى أين أنا ذاهب؟ما هو الخير؟ما هو الشر؟كيف أعرف هذا من ذاك؟ما هي الطريقة الأنسب لمقاربة العالم و فهمه على نحو مجد و فعال؟ماذا يجب أن أعرف؟ما الذي لا يمكنني معرفته؟كيف أسعد نفسي؟كيف أسعد الاخرين؟ما هي أعلى قيمة في الحياة؟هذه أسئلة كثيرة و متنوعة لكنها تصب في قضية واحدة:خلاص الانسان. فيما يخصني لم أجد خلاصي،بعد احتكاكي بنظم دينية و ميتافيزيقية عدة،إلا في اختراع إغريقي قديم:الفلسفة.

من وجهة نظر تاريخية سيطرت،ولا تزال تسيطر،على العقل الانساني ثلاث أنساق سردية كبرى:الخطاب الديني،الخطاب العلمي،والخطاب الفلسفي. فيما يخص الخطاب الأول يمكنني القول بأنه لم يعد يشكل مرجعا أساسيا في مقاربتي لإشكالية الوجود في هذا العالم،و ذلك لعدة أسباب. أولا،لأن الدين يقوم على مجموعة من الأساطير منها على سبيل مثال لا الحصر النبوة و الوحي؛أما بالنسبة للنبوة فهي الاقرار بوجود وساطة بين الله و البشرية يقوم بها انسان يتمثل في النبي نفسه. هذه الوساطة تتخذ شكل كلام يزعم النبي أو أتباعه أنه كله من عند الله؛ويترتب عن التسليم بهذين المبدأين مجموعة من الامور الأخرى التي يجب ان يلتزم بها البشر منها عصمة النبي و علو الوحي على العالم و التاريخ. التسليم بهذه الاشياء مجتمعة تترتب عنه مجموعة من المواقف و الإشكاليات ذات البعد السياسي و الفلسفي ومنها أن النبي أو رجل الدين يصبح رمزا للكمال الانساني و الحقيقة المطلقة و بالتالي فإن الإتيان بكلام مخالف لما أتى به النبي أو لما فهمه رجل الدين من كلام النبي هو الكفر و الحمق بعينه. و بما أننا نعيش في زمن الديمقراطية حيث كل شيء نسبي و قابل للأخذ و الرد و حيث كل موضوع يخضع للنقاش مهما كانت طبيعته،فإن المفاهيم التي يرتكز عليها الخطاب الديني كمفهوم الحقيقة المطلقة و مفهوم المقدس وعقيدة الولاء و البراء و دار الاسلام و دار الكفر و الحكم لله لابد و أن تصنع الخراب أو تؤدي الى الكارثة.

والحق أنه لا يجب ان يأخذ المرء من كلام الأنبياء بدون تمحيص أو نقد فالنبي ليس فيلسوفا و لا عالما و لا هو أيضا يملك ملكات فكرية أو رؤيوية خارقة،و إنما النبي هو ببساطة انسان تقي جمع حكم و تجارب زمانه فصاغها بأسلوبه الخاص متوسلا في ذلك بخياله الواسع و لسانه الفصيح و قواه الصوفية. وهذا ما جعل محمدا مثلا يتفوق على مثقفي قومه و يتمكن من ان إدراك بعض الحقائق التي ما كان بإمكان أميي مكة إدراكها. و رغم أن النبوة شكل من اشكال التواصل مع المطلق إلا أنها شكل من أشكال المعرفة التي تبقى أدنى درجة من المعرفة العلمية و المعرفية الفلسفية. و هذا ما يفسر الاختلاف الشديد بين الاديان في أبعادها العقدية و التشريعية و الأخلاقية؛فكل نبي يتواصل مع المطلق انطلاقا من بيئته بشروطها الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية والتاريخية. فالنص القراني مثلا بأوامره و نواهيه هو كذلك لأنه انبثق عن مجتمع بدوي عربي من القرن السابع للميلاد. لو نشأ محمد في أثينا زمن سقراط أو في سويسرا زمننا هذا لكان للقران شكل و شأن أخر غير الذي هو عليه اليوم.

إن الخطاب الديني لم يعد يرقى الى التطلعات المعرفية و السياسية لمواطني القرن الواحد و العشرين كما أنه لم يعد يناسب اذواقهم الفنية و الجمالية. فشخص النبي مثلا يقول لك بأنه هو أولى بك من نفسك؛بحيث أن شخصية النبي هي النموذج الذي يجب أن يحتذى أما شخصيتك أنت فلا تتمتع بأي شكل من أشكال الأصالة و التفرد،إذن فأنت موجود لكي تقلد النبي و ليس لأن تصنع ذاتك. إذن انت في عالم الميتافيزيقا كائن من الدرجة الثانية.

الخطاب الثاني الذي لازال يسيطر على الانسانية هو الخطاب العلمي. هذا الخطاب ينكب على دراسة ظواهر العالم المادي فيستنبط قوانينها و يتقصى أسبابها و عللها كما يتحفنا بين يوم و أخر باختراع لآلة يتحكم بها الانسان في محيطه أو عقار يداوي به علله. لكن العلم المادي يبقى سلاحا ذو حدين؛فهو من جهة يساعد الانسان على التحكم في محيطه لكنه لا يشترط شكلا معينا لهذا التحكم؛بحيث أن يكون هذا التحكم محكوما بضوابط أخلاقية أو لا يكون فهذا لا يهم الخطاب العلمي في شيء؛ذلك أن سؤال الأخلاق يقع أصلا خارج برادايم العلم. فالعلم،كما يقول هايدغر،لا يفكر.علم الاستنساخ،على سبيل مثال،يعمل على التلاعب بالحمض النووي و استنساخ كائن أو أكثر من نفس الخلية الأصل،لكن بحكمه علما و ليس فلسفة لا يستطيع علم الاستنساخ أن ينعكس على ذاته فيفكر في الأسس الاخلاقية و الأونطولوجية التي ينبني عليها كعلم. فالاستنساخ يمكن أن يستنسخ البشر لكنه لا يمكن أن يحل الأسئلة الاخلاقية و الاشكاليات الفلسفية التي تترتب عنه. إذن فالعلم ليس سوى عقلانية أذاتية للاحتيال على محيطنا المادي و تدبيره تدبيرا ذكيا و نفعيا. و لهذا فالعلم لا يصنع السعادة بالضرورة ولنا في التقنية الحديثة و ما تخلفه من دمار بيئي خير مثال على ذلك. ولكي يكون العلم في صالح الانسان لابد أن يتم تأطيره برؤية كونية تنظر الى العالم في كليته:إنه يحتاج الى فلسفة.

الخطاب الفلسفي أسمى خطاب فكري انساني على الاطلاق. إنه خطاب أعلى درجة من الخطاب الديني. لن تجد ابدا في القاموس الفلسفي ثنائيات من قبيل الايمان و الكفر أو الجنة و النار أو العقاب و الثواب. لن تجد في الخطاب الفلسفي إلا ثنائية واحدة:اللوغوس و الميتوس. الفيلسوف يقول لك استعمل عقلك،فكر معي،لا تتبعني. النبي أو رجل الدين يقول لك إما أن تتبعني أو الهلاك. عندما تختلف مع فيلسوف فهو لا يكفرك و لا يزندقك،بل يرد الخلاف بينك وبينه إما الى خلل في البنية الحجاجية لخطابك أو الى مشكل في تموضعك الأيديولوجي أو الى قصور في عدتك الإبستيمولوجية. أما عندما تختلف مع رجل دين فلتكن لك من رحابة الصدر و رباطة الجأش ما يجعلك مستعدا لحزمة من الاحكام القيمية و الاجراءات البوليسية التي قد تبدأ من تهمة الاتيان ببدعة أو انكار معلوم من الدين بالضرورة الى تهمة العمالة للغرب أو التحالف مع الشيطان نفسه.

الخطاب الفلسفي يموضع الانسان تموضعا ديمقراطيا تجاه أخيه الإنسان بحيث تكون الحقيقة هي ما سيتوصل اليه حوار ذوات عاقلة يخاطب احدها الاخر مخاطبة الند للند. إذن فشروط الخطاب الفلسفي تفترض،على الاقل من حيث المبدأ و ليس الممارسة،وجود المساواة بشقيها الأونطولوجي و السياسي و كذلك وجود شيء من التواضع المعرفي.أما في الخطاب الديني فالحقيقة معطاة مسبقا وهي موجودة بين دفتي مصحف ما،و بالتالي فإنها لا تأتي كنتاج لجدلية حوارية طويلة تقوم بها ذوات ذكية على درجة واحدة من المواطنة بل تأتي كنتاج لعلاقة قوة غير متساوية تحكم طرفي الخطاب:رجل الدين و المؤمن. الأول أعلى في السلم الميتافيزيقي من الثاني. إذن لا مجال للحديث هنا عن ندية أو مساواة أو حتى عن اعتراف متبادل.

الخطاب الديني خطاب كسول غالبا ما يتوجس من الاسئلة الحرجة و لا يحب العقول المشاكسة،لهذا ليس من باب الصدفة أن تجد قيم الطاعة والولاء و الإتباع دائما ما تتربع على قمة الهرم القيمي لغالبية الأديان. الخطاب الفلسفي،بالمقابل،خطاب قلق و جرئ و لا يتوقف عن طرح الاسئلة الحرجة و التشكيك في الثوابت و “المسلمات”. التفكير في الخطاب الديني ممكن لكن المساحة المتوفرة له ضيقة و الخطوط الحمر كثيرة الى درجة تكاد تشل عقل الانسان مخافة وقوعه في محظور ما. التفكير في الخطاب الفلسفي لا حدود له بل هو الفلسفة بعينها؛و للمرء أن يناقش و يبدي رأيه في كل شيء ابتداء من وجود الله الى المثلية الجنسية. قيم الجرأة و التشكيك و القلق التى يتحلى بها الفلاسفة جعلت منهم كائنات ضد سلطوية بامتياز. لهذا السبب كان كل طاغية يبحث عن شرعنة لطغيانه غالبا ما يجد مائة رجل دين مستعد للسير في ركبه في مقابل فيلسوف واحد يتيم. رجال الدين كانوا دائما أغنى وأسمن و أطول عمرا من رجال الفلسفة؛ تطويعهم للجماهير و تبريرهم للفساد و الطغيان جعلهم دائما قريبين من موائد كل زعيم أو سلطان،أما الفلاسفة فهم كائنات مزعجة مولعة بتفكيك الانساق و لا تمل ولا تكل من الحديث عن الأيديولوجيا و الوعي المزيف و تغيير العالم. النتيجة:كان دائما ما يدفع بالفلاسفة الى الهامش أو أن يغتال الواحد منهم من أول نظرية يبنيها أو كتاب يكتبه.

مــا وراء الايــمان و الـكـفـر

انني لا أدعو هاهنا المؤمنين إلى التخلي عن إيمانهم و تبني الطرح الفلسفي المبين في المقال. فهذا هدف لا أصبو اليه و ذلك لعدة اسباب. أولا،ليس كل الناس مؤهلين للتفلسف و الجدال المنطقي؛ففي مجتمعاتنا التي تسودها الأمية و التوتر،ناهيك عن نظمنا التعليمية المتهالكة التي لازالت تعتمد على التلقين و الاستظهار بدل التفكير النقدي و الابتكار،يصعب جدا أن تجد من يتقبل برحابة صدر التعرض للخطاب الديني بالنقد و التفكيك. ثانيا،ليس كل الدين سيئا. فإذا كان صاحب رأس المال يقول بأن الدين أفيون الشعب،وهذه وظيفة لا زال يقوم بها الدين في مناح كثيرة من مجتمعاتنا،فإن أحد المثقفين الفرنسيين يقول بأن الدين فيتامين الشعب. ففي عالم تحكمه الرأسمالية المتوحشة و العولمة الكاسحة و البرغماتية الباردة و الأزمة الهوياتية لن يجد الإنسان البسيط المغلوب على أمره،في غياب بديل حقيقي،بديلا عن الارتماء في أحضان مخدر ديني يعينه على تحمل عبث الزمان و ثقل الظروف. ثالثا،إذا كنت قد تعرضت للخطاب الديني بالنقد و التحليل،فإن ذلك لم يكن من باب الرفض التام للدين و إنما من باب الرفض لفهم أو ممارسة معينة للدين. هناك فرق بين الدين و التدين؛الأول نسق سياسي خانق و الثاني روح أو نمط من أنماط الوجود. الاديان كثيرة في هذا العالم لكن التدين بمعناه الصوفي اندر ما يكون. وهكذا فإن التدين،كما أفهمه بمعناه الصوفي غير معناه اللاهوتي،ليس ايات تتلى أناء الليل و النهار ولا حزمة من العقائد تستوجب ان يعض عليها المرء بالنواجد،و إنما التدين فعل ملموس يترك اثرا على أرض الواقع. التدين هو أن تصدق الحديث و تقري الضيف و تصل الرحم و تطعم المسكين،و تحمي اليتيم،و تحترم جارك،و تتقن عملك،و تخدم وطنك و تقي الناس شر يديك و لسانك. و إن أذنبت في حق أحدهم فلا تقعد تبكي أو تصلي أو تلعن اليوم الذي ولدت فيه أو ترخي لحيتك أو تضع حجابا أو تلبس جلبابا أو تعتمر برقعا أو تصوم الدهر أو تعتزل النساء و الرجال:بل تطهر بالعمل و واجه العالم بهدوء و محبة. قم بشيء فعلي ملموس يدفع بعجلة العالم الى الامام. إغرس شجرة أو تطوع في عمل خيري أو اكتب قصيدة أو ارسم لوحة أو أقرأ كتابا أو عد أخا مريضا أو زر صديقا بعيدا.

ليست القرابة العقدية أو الدينية هي ما يوحد البشر و يقربهم فيما بينهم،بل هي القيم و المبادئ التي يؤمنون بها أو بالأحرى تلك التي يترجمونها الى أفعال و سلوكيات ملموسة و ملحوظة تظهر أثارها جلية في تعايش تطبعه المحبة و المودة و الرفاه؛إن هذه المبادئ هي ما يجمع شمل البشرية رغم أنف التعصب الديني و النرجسية الثقافية و عراقيل الجغرافيا. و لهذا ايضا أشعر بأن شخصا مثل بوذا،و الذي عاش في مكان ما في أقصى الارض و على بعد زمن منا يتجاوز الالفين و خمسمائة سنة،أقرب الي من شخص كيوسف القرضاوي أو أحمدي نجاد الذين تربطني بهما أواصر اللغة و التاريخ و الثقافة.

والحق أن الانسان حيوان ميتافيزيقي رغما عنه؛إنه كائن لا يمكنه الاستمرار في هذا الوجود إلا اذا وضع الها ما نصب عينيه. فقط الايمان بإله ما يمكنه أن ينقدنا من السقوط في العدمية. سم هذا الإله ما شئت:سميه الله،العلم،التقدم،الاشتراكية؛في نهاية المطاف هو مبدأ يضفي معنى على وجودك الانساني.لكن مع ذلك يجب على الانسان دائما أن يتوخى الحذر و بأن يبقى على مسافة نقدية بينه و بين ما يؤمن به. فكم من خطاب تحريري اصبح خطابا قمعيا و كم من إله أصبح صنما و كم من دين أصبح دَيْنًا. الممارسات الاجتماعية و الثقافية تسيء حتى الى أشد النصوص الفلسفية سموا و نقاء:أنظر مثلا ما حدث للبوذية،وهي فلسفة السلام بامتياز،و كيف تحجرت في ممارسات دينية عقيمة و كيف انحدر الرهبان البوذيون في ميانمار الى الدرك الاسفل من السفالة و التعصب المقيت بحيث اصبحوا يعاملون مسلمي الروهينغيا كما لو انهم كلاب أو حشرات!

يجب على المرء أن يبقى يقظا تجاه كل أشكال التفكير الميتافيزيقي الاختزالي. أعني بالفكر الميتافيزيقي الاختزالي الفكر الإطلاقي الذي لا يرى من الوجود إلا وجها أو بعدا واحدا فيضفي عليه صفة المطلق و بذلك يستبعد أو ينكر أي ابعاد أو وجوه أخرى ممكنة للوجود. كل الانساق الفكرية الكبرى وقعت في هذا المطب،خصوصا الانساق الدينية. لهذا لا يعترف اليهود إلا بالتأويل اليهودي للعالم رافضين كل تأويل اخر. و قد سار على نهجهم المسيحيون و المسلمون و حتى العلمانيون وغيرهم من الفرق و الطوائف و الأيديولوجيات. النتيجة:استبعاد و تكفير و كراهية و حروب لا تبقي و لا تذر.

لقد علمتني الصراعات النظرية و النزالات الفلسفية مع هذا العالم بأن أشكل قناعاتي على قدر ما بيدي من البراهين الثابتة و الحجج الدامغة. كلما كان الرأي الذي اتبناه كبيرا (من الناحية الميتافزيقية) كلما لزمني ان أجد له مصوغات عقلية أو عملية أكبر. أنا انسان متواضع ميتافيزيقيا،أنا انسان يحترم عقله. ولهذا السبب أتشبث بقاعدة ذهبية في فهمي لظواهر العالم. تقول القاعدة بأن علاقتنا الإبستيمولوجية بالعالم لها ثلاثة أبعاد:هناك الممكن معرفته بشكل يقيني و بالتالي بإمكاننا التحكم فيه بالكامل،وهناك الممكن معرفته بشكل جزئي و بالتالي التحكم فيه بشكل نسبي،و هناك المستحيل معرفته على الاطلاق و هو يقع خارج نطاق ارادتنا ومداركنا. البعد الأول يشمل العلوم الدقيقة،البعد الثاني يشمل الاخلاق و الفن و الدين، و البعد الثالث ما وراء الطبيعة. لهذا يمكنني القول بخصوص المعنى المطلق للوجود،و الذي يقع ضمن البعد الثالث،بأنني لا لست مسلما و لا ملحدا… أنا كائن ما بعد ديني.

الحوار المتمدن-العدد: 4140 – 2013 / 7 / 1 – 16:01

المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 6 يوليو 2013 by .

الابحار