عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

في الحاجة إليه.. محمد باهي

في الحاجة إليه.. محمد باهي

 abcd

لحسن العسبي

كان يمشي ببرنصه المغربي على كورنيش بيروت، فتقف المدينة بشغف السؤال لتكتشف من هذا الفارس القادم، من زمن القصص البعيدة، تلك التي تحكي في كراسة الدرس عن بحر

الظلمات، عن مراكش وطنجة وهرقل.

كان هو يمشي لا مباليا بالزمن (متى اهتم به)، رحالة كما اعتاد، منذ غادر خيمة معنى حياة شربه مع الألبان، في امتداد عروق بيداء ‘أدرار’ و’أطار’ من بلاد شنقيط الممتدة. كان يمشي في صباحات بيروت، بنخوته المتأصلة، وحين تأتي إليه قبرة ما، يتلو على خصلتها التي تراقصها الريح، قصائد بن الملوح، وغير قليل من قصائد طرفة بن العبد، قبل أن يغرف من بئر صاحبه المفضل أبو الطيب المتنبي، حكما خالدة..

بما يشبه هذه الصورة، كان قد حدثني عنه الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف، في رفقة صباحية على كورنيش عين الذئاب، حين سألته عن السر في العلاقة بينهما، التي حملته لأن يخصص له كتابا كاملا أسماه ‘عروة الزمن الباهي’ (الصادر سنة 1997). وحين زرت قبره مؤخرا، بمقبرة الشهداء، غير بعيد عن قبر الشهيد محمد الزرقطوني، وعن قبر صديقه الكبير محمد الفقيه البصري، وعلى بعد صفين أو يزيد قليلا، عن قبر الشهيد عمر بنجلون، وعلى يسار قبر الفنان العربي باطمة، وفي الجهة الأخرى المقابلة، بعيدا في ممشى طويل، يرقد صديقه الآخر الكبير محمد عابد الجابري، جنبا إلى جنب مع المفكر الجزائري محمد أركون والروائي المغربي ادريس الشرايبي، والمناضل النقابي عبد الرحمان شناف.. كان دغل الربيع كثيفا، وعلى جنباته يتعالق الحلزون الناصع البياض، فتذكرت قبور المعتمد بن عباد وقاضي سبتة لسان الدين بن الخطيب وابن رشد وابن خلدون.. في ذلك ‘السرير الأبدي’ (بلغة قصيدة بادخة للشاعر المغربي الصويري، مبارك الراجي)، صار له صحب أبديون، يحار الخاطر ما الذي يقولونه لبعضهم، وما الذي يتناقشون فيه في بيتهم الأبدي ذاك. وأنا للعابرين مثلنا في أديم الأرض أن ندرك ذلك، أنا لنا أن نفتح باب الأرض قليلا، لنطل على تلك الصحبة البادخة (ولو قليلا من المستحيل).

في باريس، عاش الرجل. عاش بكل ما تعنيه الكلمة من معاني الشبع. نزل إلى مغاراتها السرية، تشرب دروبها، وكان من أكبر المشائين بها، وبها ظل يزور ‘مقبرة الكلاب’ ويقرأ على الشواهد الصغيرة بصوت مرتفع قصائد ‘ذي الرمة’، في سؤال حياة غارق في قلق الفلسفة عن معنى الكائن في سديم الوقت. مثلما عاش كل الأزمنة الصعبة للفعل السياسي الوطني، القومي العربي، والإنساني. هناك، ظل منارة تنير طريق الكثير من التائهين في دروب المنافي الباريسية، مثلما ظل واحة راحة للكثير ممن طوحت بهم دروب الفعل السياسي المناضل. وظلت له مكرمة حفظ الأسرار والوفاء للمودات وللرجال. ولن ينكسر فيه الفرح سوى يوم جاءه خبر وفاة صغيرته اليافعة في حادثة سير عبثية قرب بيت العائلة بالدارالبيضاء. بعدها أصبح الرجل آخر. في صمت وكبرياء وإباء، لكنه أصبح آخر. شئ ما انكسر فيه إلى الأبد.

اليوم، حين أشتاق كلماته، رائحتها، معناها، زوبعاته الغاضبة، انطلاقاته التي لا تحتاج لكثير مواضعات مجاملة، رأيه السديد العابر للمواضعات باختراق الصدق، أؤوب لكتبه التي بقيت في اليد. كتابه الأطروحة حول ‘الصحراء’، الذي يشكل مرجعا شموليا غير مسبوق عن معنى ‘الصحراء’ وعن قيمة ‘الصحراء المغربية’ التي تتلمسها كجسد حي ينبض بالحياة والمعنى والتاريخ وأن لها شجرة أنساب راسخة في الحضارة والتميز والإنتماء للعمق المغربي الأصيل (كم يليق بالتدريس في مدارسنا الثانوية، لأنه أداة تربوية بادخة). أو كتابه الآخر التحفة عن ‘قصة باريس′، المدينة التي كتب عنها مثلما لم يكتب عنها حتى أكثر الباريسيين انتماء ونسبا، وعن كيف تشكلت منذ ذوبان الجليد البكر للبشرية. ثم كتابه الشديد العمق والذكاء، السادر في التحليل الذي يجوس في مفاصل المفاصل عن ‘الجزائر في مفترق الطرق’.

محمد باهي حرمة ولد بابانا، كان زوبعة، ظل زوبعة. زوبعة لا تترك لليقينيات أن ترتاح حيث تريد. أكاد أراه يدخل من باب قاعة التحرير هنا في الطابق الثالث للجريدة، ينزل ذات الدرج، يلتفت في القاعة، ليقول رأيا بصوت مرتفع، ثم يلحقه بقصة أو بيت شعر.. قد صدق الراحل عبد الرحيم بوعبيد: ‘باهي رحالة’. مر سريعا من هنا ورحل، لكن أثره بقي راسخا لا يمحي. العنبر ليس في الكثرة، قيمته في قلته.

كاتب من المغرب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 25 يونيو 2013 by .

الابحار