عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

أحمد جواد.. لا تحرق نفسك يا رجل!

أحمد جواد.. لا تحرق نفسك يا رجل!

 aa

حكيم عنكر

يوجه المسرحي والفنان والمنشط في مسرح محمد الخامس أحمد جواد نداء يائسا وكابوسيا، لكنْ جادا، إلى المسؤولين في وزارة الثقافة وفي الحكومة، ثم إلى الوسط الثقافي المغربي. وفحوى هذا النداء أنه مـُقدِم يوم فاتح يوليوز المقبل على إحراق نفسه أمام مدخل وزارة الثقافة. ليس هذا تهديدا «أبيض» لا يجب أن يؤخذ على محمل الجد، فالرسالة التي بعث بها إلى الصحف والمواقع والأصدقاء من المثقفين والكتاب وإلى الرأي العام هي رسالة يأس أخيرة، لا تحتاج إلا إلى عوذ ثقاب كي تشعل النار في الجسد النحيل.

السبب في إقدام أحمد جواد على هذه «الخطوة النارية» هو ما يشعر به من عدم إنصاف في حقه، لقد ظل في السلم الخامس دون أن يغادره منذ أن جرى تعيينه كموظف في مسرح محمد الخامس. وكشفُ أجرِه الشهري يوضح أن الرجل، الذي يشرف على عدد من الأنشطة، لا يتقاضى إلا 1800 درهم في الشهر، وهو أجر السميك الذي لا يستطيع أحد أن يعيش به في العاصمة الرباط، وأن يكون أنيقا وببذلة مكوية، ومبتسما طول الوقت، ونشيطا وحركيا وخدوما وهو يسيـِّر الأنشطة التي فشلت مؤسسات كاملة، لها ميزانيات ضخمة وجيش من البشر، في إقامتها؛ أما إذا أضيفت أعباء الأسرة، وليس «نادي الأسرة» الذي كان يسيره، فـ»العفو».

يحتاج الواحد إلى بطولة نادرة وإلى عفاريت سيدنا سليمان كي يقوم بالقليل مما يقوم به أحمد جواد الذي لا يمكن أبدا المرور عليه مرور الكرام، حتى وإن كانت ذاكرة البعض متخمة بآفة النسيان أو مريضة بالجحود والنكران أو متغطرسة ومتعالية؛ فهو صاحب تجربة «نادي الأسرة» قبل أكثر من 12 سنة؛ ومن ذلك المكان الذي كان موجودا في خلفية المسرح الوطني، المكان المهمل الذي لا يدخله أحد، استطاع جواد أن يركب أسلاك الحرارة في نبض العاصمة البارد، وأن يأتي إلى القاعة الصغيرة بالوزراء والمقاومين والأسماء الكبيرة من المفكرين والكتاب والمبدعين المغاربة، وأن يفتح المركز على جهاته البعيدة وعلى مناطقه القصية.. فهنا تحدث ووقع كتاب في أول الطريق وهم يدخلون العاصمة بدهشة «بدوي في المدينة»، وهنا كان النقاش الحار والجرأة والصدق وواحة اللقاءات والزمن الصادق حقا. لم تكن التطلعات قد بدأت بعد، ولا الانتهازية قد لبست «قشابتها»، في هذا المناخ الذي التقى فيه يساريون وأهل يمين وإسلاميون ومن لا انتماء لهم، كان شخص وحيد يشرف على هذه الحلقة، ويتابع ويرتب المواعيد ويستقبل الضيوف ويسوي القاعة ويصف الكراسي ويحضر الميكروفون وقنينة الماء.. هذا الشخص كان هو أحمد جواد.

مرّ وقت وجاء آخر، وأجهز على تجربة «نادي الأسرة»، بسبب ضيق في الصدور ورغبة في كبت الصوت المقموع المتحرر المنطلق، ثم عادت «العادات السيئة» إلى خلفية المسرح والطريق المشجر المحاذي له، وذهب جواد للدفاع عن نفسه من أجل تسوية وضعيته؛ ففي غمرة إشرافه على «النادي» نسي وضعه الإداري، وحين تعاقب المسؤولون أنكروه، كأنه لم يكن.

تتدخل الأيادي البيضاء، فلا يمكن رمي الرجل مثل «كلينكس»، سيكون الأمر فظاعة إنسانية، من غير تسوية وضعيته التي جاءت دون المأمول.. تثبيت في السلم الخامس.

ويتغير الوزراء دون أن يتغير وضع الرجل الوظيفي. وخلال هذا الزمن المنساب، عاد جواد إلى حبه الأول، المسرح، جرب وأخرج وانتهى إلى نوع من المسرح يراه عزاءَه الأخير «مسرح الذاكرة»، ذاكرة المغرب المعاصر الجريحة، وعنوان سنوات الرصاص خيطها الناظم. كانت الخشبة مجاله الحيوي في قول الأشياء بطريقته الخاصة.

فجأة، يعود إلى مهنته كمنشط ثقافي، المهنة التي يتقنها جيدا، فلا أحد يجاري جواد في هذا، لا أحد يستطيع أن يقنع مثقفين وكتابا ومفكرين وفنانين بقطع مسافاتٍ والمجيء إلى بهو مسرح محمد الخامس للقاء الجمهور والحديث عن تجاربهم، في زمن لم يعد فيه أحد يحتفل بالقيم الثقافية والفكرية، زمن أغبر وجهول، غير أحمد جواد؛ فهو «يحتال» عليك ويقنعك بأن ثمة مجالا ممكنا، وأنه لا ينبغي الركون إلى العزلة، وهو يأتيك بمن يتحدث عنك ويتصل بالإعلام، بل يأتيك بالجمهور ويبدد خوفك من الحضور الذي سيكون محترما بعد أن كسد السوق الثقافي في زمن المعادلات الخاسرة. وكان أن عاد النبض إلى الحياة الثقافية في الرباط، وأصبحت لقاءات بهو مسرح محمد الخامس العزاء الأخير.

فرجاء لا تقتلوا الرجل، لا تدعوه يضرم النار في الجسد النحيل يوم فاتح يوليوز، لا تتفرجوا عليه وهو يأتي بلتر بنزين ويدلقه على جسده، ويتكرر المشهد البوعزيزي.

هناك دائما أمل في إصلاح سلمه الوظيفي وجبر الضرر، فهو رجل جدير بالتضامن وبالحياة وبالاحتفال.

ankerha@yahoo.fr

Advertisements

2 comments on “أحمد جواد.. لا تحرق نفسك يا رجل!

  1. ليلى الشافعي
    22 يونيو 2013

    إنني أعرب عن تضامني مع الصديق أحمد جواد في محنته. وأعلن استعدادي للمشاركة في تكريمه.

  2. أبوالقاسم الشـــبري
    24 يونيو 2013

    مثلما كانت له وحده دون سواه الجرأة في تنفيذ اعتصام أمام المسرح البلدي بالجديدة في تسعينات القرن العشرين، فإن لأحمد جواد الجرأة على إضرام النار في نفسه أمام وزارة الثقافة اليوم. لن ينقل أحمد جواد عن البوعزيزي التونسي شيئأ مادام بوعزيزي تونس ينتمي لقبيلة دكالية كانت قد رحلت إلى إفريقية (تونس) زمن الحفصيين من دو نشك أو في عهد الموحدين.
    منذ سنوات وأنا فاغر فمي ولم أقو بعد على جمع شفتاي إلى بعضهما، يوم قال لي السي أحمد ذات ليلة عابرة من عبوري الخاطف بالرباط أنه يتقاضى 1800.00 درهم، بينما يحكى أن بعضا من أصحاب 1500.00 درهم بوزارة الثقافة صاروا منذ زمن ليس بعيدا عنا مرتبين في السلاليم العليا 10 و11 قبل أن يذهبوا إلى التقاعد
    حشــــومــة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 21 يونيو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: