عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

متى يعود الاسلام للمسجد؟   عبد عطشان هاشم…

متى يعود الاسلام للمسجد؟

 aaa

عبد عطشان هاشم

في البدء ، ماذا نعني بعودة الاسلام الى المسجد ؟ كما هو معروف ، المسجد هو مهد الاسلام وبيت العبادة المخصوص له والعودة اليه تعني فك الاشتباك بين الدين والسياسة تماما وانقطاع الدين لممارسة دوره في العبادة الخالصة و اثراء الحياة الروحية والاخلاقية للمسلم وتأصيل الصلة بين الانسان وخالقه ، أي أن يصبح الاسلام دين يهتم بالعبادات والمسائل الروحية للمسلمين فقط كأي دين اخر على وجه الارض وليس وسيلة بيد المفسدين من تجار الاديان.

عندما تبحث عن الدين المسيحي في الدول الغربية مثلا ، تجده في الكنيسة ولن تجده في مؤسسات السياسة والعلم والجيش والشرطة والاعلام كما هو حاصل لدينا والبوذية تجدها في المعبد الذي اصبح محطة للسلام الروحي والطمانينة النفسية. لكن عندما يذهب المرء اليوم للمسجد لايجد الاسلام بل يجد رجال دين متسيسين متجردين من الرحمة والمحبة والحس الانساني ، لايجيدون سوى تجذير غرس الكراهية والبغضاء بين البشر ويحثون على القتل والارهاب وتقطيع الاجساد ويشنون حروبهم المقدسة ضد كل من يخالفهم الهوى حتى من ابناء دينهم .

في الهند ، التي يزيد عدد سكانها عن سكان الدول العربية مجتمعة ، هناك عشرات الاديان والمذاهب والملل ولكن كلا منها يؤدي دوره الطبيعي في ساحة معبده وبين مريديه ولذلك رغم التنوع الاثني والديني تندر الاصطدامات الدموية بين الطوائف الا ما تحركه اصابع الخارج المعروفة، فيما يموج الباكستان ذو الدين الواحد بالقتل الطائفي والتفجيرات الدموية لان الدين هناك خرج من بيته وارتدى لبوس طالبان وحقاني وغيرهم من رموز القتل والارهاب الطائفي البغيض الذي لايسلم منه حتى الاطفال (الطفلة ملالا خير نموذج) وفي العراق كذلك يتكرر النمط نفسه فيستعين السياسين الفاسدين بنظرائهم من رجال الدين لترويج سلعة الطائفية وتفخيخ عقول الناس بها والحصيلة هي انهارمن دماء الابرياء.

عندما يخرج الدين من باحة المعبد ، مهما كانت تسمية هذالمعبد ، ليستخدم اخطبوط الدولة في التحكم بمصائرالناس واموالهم باسم الرب وتتمدد سلطته لتتماهى في جميع مفاصل الدولة يبدأ عندها الخراب الذي يطال حتى الدين نفسه في النهاية . فالدين سيتخلى عن رسالته الروحية ويتحول الى كابوس يجثم على حياة الناس اليومية يعد انفاسهم ويسرق احلامهم ويستولي على عقولهم عبر فروض الطاعة العمياء ضمن اصغر تفاصيل الحياة ويدفعهم الى انكار العقل وتغييب التفكير. كلنا يعرف كم عانت اوربا من عصورمحاكم التفتيش والحروب الدينية والتخلف العلمي عندما تجاوزت المسيحية باحة الكنيسة والدير وتحولت الى نظام سياسي وفكري يملك الحقيقة المطلقة فاصبح الكرادلة هم الحكام الحقيقين الذين يسيرون ملوك اوروبا ، رغم ان المسيح لم يأتي باي نظام سياسي بل بنظام روحي واخلاقي للفرد ونادى بفصل الدين عن الحكم بقوله الشهير “اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” . واليوم في بورما ، نلاحظ ان الراهب البوذي عندما خرج من معبده تحول الى قاتل مأجور لرجال سياسة فاسدين باعتراف الدالاي لاما رغم ان الدين البوذي دين مسالم لاتسمح نصوصه بقتل اي كائن حي حتى لو كان نملة.

اما على الصعيد العربي ، فالحديث ذو شجون فعندما يقوم تاجر الدين بتحويل وجهة الدين من المسجد الى السياسة اي من المقدس الى المدنس فهو يدير ظهره لكل نصوصه المقدسه ويتحول الى كهنوت ديني يدعي احتكار الحقيقة لجماعته الدينية ، ولايصبح الدين هو الحل بل يصبح هو المشكلة ، فهو سيستبدل الكلمة الطيبة بالسيف في التعامل مع خصومه الافتراضيين وترهيبهم بدلا من مجادلتهم بالتي هي احسن. والدين خارج المعبد يبحث دوما عن اعداء ليحاربهم اوليضطهدهم واذا لم يجدهم عند الغير فسيضطر الى تكفير ومقاتلة ابناء جلدته اوطائفته الاقربين ، يتداعي الى ذهني هنا ، كيف ان المخرج الشهير مصطفى العقاد (مخرج فيلم الرسالة) قتله دعاة الاسلام السياسي في 11 نوفمبر 2005 مع ابنته ريما ضمن ضحايا الانفجار الذي حصل في فندق غراند حياة – عمان. وكان اخر مايتمناه ان يخرج فيلم (صلاح الدين ) لتوصيل رسالة بان مضمون الاسلام هو السلام وليس الارهاب ! وهكذا فالدين خارج معبده وصفة للخراب وطريقة متعسفة لاعادة عقارب الساعة الى الوراء.

ان جل مآسي المنطقة العربية تكمن في خروج الدين عن دورالمسجد وتحوله الى حصان سياسة جامح يركبه طلاب المنصب والنفوذ ، فان اي حزب ديني او جماعة سياسية تحمل يافطة دينية هي تحويل مقصود للدين من سكة المسجد الى سكة الحزب او الجماعة الاسلامية فيحقق الحزب اهدافه السلطوية بينما لاينال الدين من ذلك سوى المزيد من خوف الناس والابتعاد عن الدين لالتصاقه بالعنف والارهاب كما يحدث الان. ان جميع نسخ واصدارات الاسلام السياسي الراهنة مثل الوهابية والسلفية والاخوان المسلمين وحزب الله وطالبان وحقاني وبوكو حرام وانصار الشريعة هي مشاريع لاستثمار الدين سياسيا مثلما كان فرسان المعبد في القرون الوسطى يفعلون ذلك باسم المسيحية.

ولكن المسيحية اجبرت على العودة الى مكانها الطبيعي وهوالكنيسة و استطاعت النظم العلمانية في الغرب من كبح جماح الكنيسة الكاثوليكية ووضعها في اطارها الطبيعي كدين شخصي ، تحرر العقل الغربي من قفص الوهم والغيبيات وبدأت دورة التنوير والعلم تأخذ مسارها الطبيعي في العالم الغربي وتعافى الجسد الاوربي من كثير من امراضه وازدهرت حضارته التي يتنعم بثمارها العالم اجمع ، فمتى نعيد الاسلام الى المسجد؟

بدون ان نعيد الاسلام للمسجد مهده الطبيعي، لن يتعافي الجسد العربي من امراض الارهاب والطائفية والتمييز الديني والعرقي والجنسي ولن يستفيق العقل العربي من سباته التاريخي وينفلت من اسر الماضي ويبدأ العد التنازلي لانطلاقة جديدة تحرر الانسان وتجعله يواجه حقائق عصره بالعلم والمعرفة ويصبح اعتناق الدين وممارسة الطقوس مسألة اختيارية تنبع من الارادة الحرة للانسان ، وليس صندوق اسود تتوارثه الاجيال محرم عليك فتحه والتساؤل عن محتواه .

دعوا عقول الناس تتفتح كالازهار بلا عقد او رهاب مرضي من الماضي والمستقبل ، ولاتجعلو الناس تدور كالثيران المعصوبة الاعين في ساقية الموت ، دعو القلوب تتعطر بمحبة الاخرين اخواننا في العائلة الانسانية الكبرى وليس بصديد الكره والبغضاء للاخرين لانهم على دين او طائفة مخالفة ، لقد حولتم الحياة جحيما لايطاق بترهاتكم والعديد منكم يا رجال الدين مكانهم المصحات العقلية وليست المنابر.

رب سائل يسئل ويقول لي هذه مثالية مفرطة ولاتمت للواقع بصلة فرجل الدين يسعى الى السيطرة واخضاع البشر لهيمنته الروحية والدنيوية ، ولن يتحول رجال الدين الى قطط وديعة من تلقاء انفسهم فالنمر لايتخلى عن رقطه كما يقال . فهل يتركون السلطة والنفوذ المقدس الذي يتمتعون به جراء التوظيف السياسي للدين سواء في الحصول على الاموال والهبات (التي لاتخضع لضريبة او تقنين او ضوابط قانونية او اخلاقية ) او في الحصول على النفوذ والمغانم السياسية والاعلامية فخطب وتفاهات الدعاة والمشايخ صار مكانها القنوات الفضائية ومنابر الاعلام وليس منابر المسجد وكيف يعود من امتهن الدين خالي الوفاض و وهو ليس لديه علم او صنعة كبقية الخلق فلم يجد بدا من اللجوء الى احتراف الدين الذي لايتطلب سوى اطلاق اللحية وتقصير الثوب وعدم استعمال العقل؟

رغم ذلك فلدينا مثال يمكن تكراره ففي الخمسين سنة الماضية كانت مؤسسة الازهر ملتزمة بدورها الديني داخل اطار المسجد ولم تتدخل في الشؤون السياسية وغيرها من شؤون الدولة المصرية. ويمكن تحقيق ذلك مجددا بصورة اشمل واعمق واكثر ديمومة اذا نضجت الظروف لنشوء دولة علمانية ديمقراطية ناجحة في احد الدول العربية تكون نموذجا لدولة الانسان مع صيانة حقوق الفرد الفكرية والدينية وبخاصة في مصر .

لقد فعلت الشعوب العربية في الربيع العربي مالم يجرأ احد على تخيله ، رغم اغتصاب الاسلاميين للثورات ، وعدد الداعين الى قيام الدولة المدنية الديمقراطية وفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية يتزايد يوميا والفضل كله للحصاد المر الذي قدمه الاسلاميين لشعوبهم ، هذا هو اتجاه التاريخ شئنا ام ابينا ولن نظل الى الابد نغرد خارج السرب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 10 يونيو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: