عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

الثقافة تقويم الاعوجاج   د عاطف البطرس تضطرنا…

الثقافة.. تقويم الاعوجاج

 عاطف-بطرس

د. عاطف البطرس

تضطرنا الحاجة أحياناً إلى العودة إلى تعريف موجز ومكثف للثقافة، والتنبيه إلى دورها في حياة الأفراد والشعوب، فأصل المفردة يختلف بين شعب وآخر، انسجاماً مع تاريخه ومراحل تطوره وتقاليده.

يعود أصل الكلمة لدى الشعوب الأوربية إلى الحراثة.. حراثة الأرض، وبالتالي زرعها ثم الحصول على (الجنى) الثمار.. فدلالة الكلمة في المجتمعات الزراعية هي جني المحصول.. وللوصول إلى المحصول الوفير لابد من أفعال، أولها حرث الأرض وتوفر البذار والعناية به، ثم زرعه وسقيه، أي أن العملية مستمرة، وكل انقطاع في مرحلة من مراحلها يؤدي إلى تدمير النتائج المطلوبة.

أما في مجتمعاتنا العربية فأصل الكلمة من (ثقف الرمح)، أي قوّم اعوجاجه.. واضح أن الأصل هو إعادة الرمح إلى وضعه الطبيعي، بوصفه أحد الأدوات الحربية في المجتمعات ما قبل الزراعية التي تعتمد في حياتها على الغزو والترحال والانتقال، على نقيض من الزراعة (الاستقرار).

تقويم اعوجاج الرمح يعني إعادته إلى وضعية الاستقامة، والدلالة هي أن يسلك الإنسان الطريق السوي، وهو أقصر الطرق بين نقطتين: الانطلاق والهدف.. وأقصر الطرق أقلها خطراً وأكثرها سلامة.

وتقويم الاعوجاج معياري بطبعه، ولابد من قيمة أو مثال أو مرجع تستند إليه لتصحيح الانحراف.

والثقافة بهذا المعنى ليست المعلومات والمعارف فحسب، وإنما تفاعل المعلومات والتراكم المفضي بها إلى التحول النوعي الذي ينتقل بها من كم إلى كيف، من معلومات إلى معرفة تشكل أنماط التفكير وتحدد طرائق العيش وفهم العالم.. والمعرفة بهذا المعنى من أهم عناصر ومكونات الثقافة.. فلا ثقافة دون معرفة، ولا معرفة دون معلومات وتجزئة وتحليل وتركيب واستنتاج ومراجعة ونقد وتجاوز لاتخاذ موقف محدد.

الخيارات المطروحة أمام المثقف (العارف) متنوعة ومتعددة، والأصح منها والأصلح مرهون بالإمكانات المعرفية والثقافية لأصحاب أو صاحب الاختيار الذي يمتلك قدراً من المعرفة المتكاملة والمنسجمة تخوله تحديد موقف واضح من الإنسان والمجتمع والطبيعة.

وغاية الثقافة في النهاية هي الخيار الأكثر صحة في سياق الخيارات المتاحة.. والمثقف هو من يسلك الطرق المستقيمة المؤدية إلى الهدف. ولما كان هدف المثقف وغايته النهائية أن يوفر لنفسه ولشعبه ولشعوب العالم وللإنسانية جمعاء، ما يضمن للإنسان المحافظة على إنسانيته، ويوفر له احتياجاته المادية والمعنوية، ويساعده على الحياة الهانئة المطمئنة الخالية من أي شكل من أشكال الاضطهاد والتسلط.. يتعاظم دور الثقافة والمثقفين، وتزداد الحاجة إلى جهودهم وعصارة عقولهم وتكثيف خبراتهم العملية والنظرية، خاصة في الظروف الاستثنائية الحساسة التي تمر بها أوطانهم.. وهنا لا مهرب من التطامن ونكران الذات وتراجع النرجسية في معركة الانخراط في تأمين الصالح الوطني والإنساني العام.

الخيار الصحيح معيار الثقافة، لكن الخيارات مختلفة باختلاف أصحابها، ومتنوعة بتنوع مرجعياتهم، ومن المَقَاتِل أن يتحول الاختلاف إلى صدام وصراع وقتال، وهذا لا يحصل إلا عندما يتحكم ضيق الأفق والانغلاق والتقوقع والنكوص إلى ثقافة القبيلة وادعاء امتلاك الحقيقة، وتأبيد الراهن، والتغافل عن المتحول لصالح الثابت الموروث عن الماضي الميت.

إذا سلمنا بأن الثقافة في المحصلة النهائية هي المؤهل للسلوك الصحيح في الحياة، وهي الطريق إلى الخيارات المناسبة في الظروف المستجدة وفق قانون (الثوابت في سياق المتعثرات)، فكم هي الخيارات الخاطئة والمواقف المشوَّهة، والمشوِّهة لحقائق الواقع المتصف بالتراكم المزمن وبالتعقيد وسرعة التبدل.

ولكي لا يصادر أحد من غيره حق الاختيار وصحة المسالك وتنوعها وسلامة التقويم، لابد من الاحتكام إلى العقل والخبرة المتراكمة والابتعاد عن (الأنوية) في سبيل المصلحة الوطنية. إن ما يتطلبه منا واجب المواطنة التي لا تتساهل في حقوق أبناء الوطن ولا تفرّط بكرامتهم، وتعمل على تأمين مصالحهم وتضمن حقهم في المشاركة الفعالة في خيارات بلدهم، وتصون التعدد والاختلاف فيه، وتعلي راية العدالة الاجتماعية الضامنة للأمن الاجتماعي، والمحافظة على وحدة النسيج الوطني والعمل على رص الصفوف وتوحيد الجهود البناءة على اختلافها، لخروج بلدنا من أزمته الطاحنة، بالعمل الجدي على وقف نزيف الدم، والدخول الفوري في حوار وطني خلاق ومثمر لا يقصي ولا يستأثر يجنب الوطن وأبناءه مصيراً محتوماً يؤدي إلى تقسيم الوطن وتهديم الدولة وتفتيت العروة الوثقى بين أبنائه (روح المواطنة) في حال استمرار الأزمة وامتداداتها. والوحدة الوطنية هي السلاح المضمون والضامن لمستقبل يؤدي إلى دولة مدنية، تعددية، ديمقراطية، يصل بسوريتنا إلى ما يستحقه تاريخها وشعبها، من عزة وكرامة وسيادة واحترام، فلا سيادة لوطن لا يتمتع أبناؤه بالحرية، كما أنه لا حرية ولا كرامة لمواطنين يعيشون في وطن لا يتمتع بالسيادة الكاملة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 2 يونيو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: