عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

الإبداع والتمرد   الدكتورة نوال السعداوي لا تنتقل…

الإبداع والتمرد

 aa

الدكتورة نوال السعداوي

 لا تنتقل أجسامنا من السكون إلى الحركة إلا بعد أن تسرى فى خلايا المخ “فكرة جديدة” لعمل شيء: شراء خبز مثلا، أو المشاركة فى ثورة لتغيير النظام الحاكم؟. تقدمت الدراسات عن “المخ” وكيف ينتج الأفكار ويستعيد الذكريات ويستخلص النتائج، لم تعد الفكرة الجديدة أو ما يسمى “الإبداع” يهبط من السماء عن طريق الوحى الإلهى أو المس الشيطانى، أو ينبع من العقل الباطن واللاوعى، أو أنه الجنون والخروج عن العقل. لقد أصبح الإبداع هو قمة الإدراك والعقل الأعلى حين يتحول اللاوعى إلى وعى، ويتحول الخيال الى حقيقة. وخلايا المخ قادرة على “تخيل” أشياء غير موجودة، نابعة من تذكر أحلام الطفولة وربطها بآلام الحاضر وتوقعات المستقبل، وتعتمد عملية الإبداع فى المخ على هذا “الربط” بين الزمان والمكان، بين الخيالى والحقيقى أو بين الروحى والحسى. والابداع يقوم على التخيل والتذكر والربط بين الأشياء غير المترابطة والقدرة على إلغاء الفواصل المصنوعة بين، السماء والأرض، والحياة والموت، والروح والجسد، والإله والشيطان، والأنثى والذكر، والعلم والفن، والطفولة والشباب، والكهولة والشيخوخة وغيرها.

تسرى فكرة التمرد فى الخيال بسيطة طبيعية يمارسها الأطفال البنات والأولاد، كما يتنفسون الهواء ويرون ضوء الشمس، إلا أن نظام التعليم يتدخل ضد الطبيعة والفطرة فترتبط كلمة التمرد فى الخيال بالعقاب والحرق فى النار، وليس باللذة الناتجة عن المعرفة، يحفظ الأطفال قصة حواء الآثمة التى عصت الله وقطفت ثمرة المعرفة.

وفى العاشرة من عمرى أخفيت مفكرتى السرية خوفا من النار، فقد كتبت فيها رسالة إلى الله أطلب منه أن لا يتحيز لأخى لمجرد أنه خلقه ولدا وخلقنى بنتا. وكان أخى يحصل على ضعف نصيبى من قروش العيدية، رغم أنه يسقط فى المدرسة، وأنا أحصل على ضعف نصيبه من الكنس ودعك المراحيض رغم أننى أنجح بتفوق. وذات مرة ضربنى مدرس الدين بالمسطرة على أصابعى معلنا أن من يكتب رسائل الى الله يحرق فى نار جهنم. وقد مضت سبعون سنة دون أن أدري. ويتلاشى الزمن حين أحملق فيه كأنما غير موجود، حتى اليوم لم أنشر ما كتبته فى مفكرتى الطفولية، ليس خوفا من النار، فقد حررتنى أمى وأبى من الخوف واستطعت مواجهة العالم بوجه مغسول دون مساحيق أو حجاب، لكن مفكرة طفلة أو طفل حتى اليوم قد تكون أخطر من انفجار ذرى أو نووي، وأثبتت الدراسات أن عقول الأطفال (قبل خضوعهم لقانون الطاعة فى البيت أو المدرسة) أكثر ابداعا من عقول آبائهم، وبدأت محاولات جديدة فى بعض بلاد العالم لمنح الأطفال حق الانتخاب فى سن العاشرة.

فى بداية يناير 1993 بدأت تدريس علم الابداع والتمرد بجامعة ديوك بمدينة ديرهام فى ولاية نورث كارولينا بأمريكا الشمالية، وكنت أندهش حين أسمع الطلبة والطالبات ينادونى “بروفيسر الساداوى”، يبدو الاسم كأنما لشخص غيري، استجمع ذاركتى وأعيد ترتيبها لأدرك أين أكون، أتذكر أن الحكومة المصرية فرضت الحراسة المسلحة على بيتى بالجيزة، و”بودى جارد” لحماية حياتى المهددة بالقتل بسبب قصة قصيرة كتبتها من الخيال، كانت مصر تعيش ما يسمونه “الارهاب” شيء غامض مثل نار الآخرة وتسرى الأنباء عن قوائم الموت والاغتيال للمفكرين والأدباء.

لم أعثر على اسمى: كمفكرة وأديبة) إلا فى قائمة الموت، وأصبحت أدرس علما جديدا أطلقت عليه اسم الابداع والتمرد، دعتنى الجامعات (خارج مصر) لتدريسه لطلاب الدراسات العليا على مدى العشرين عاما الماضية قد يغلبنى الحنين أحيانا الى مصر فأعود، لكن ما أن أعود حتى أفكر فى الرحيل، وأنا أكره مهنة التدريس بطبيعتي، وأقول للطلبة والطالبات فى أول لقاء: الابداع والتمرد لا يمكن تدريسهما. ولا أملك إلا محاولة تحريركم قليلا مما وضعه المدرسون فى عقولكم، يشرئبون بآذانهم للصوت الجديد، يرفعون رءوسهم الى الوجه المحروق بالشمس والرأس بلون قمة الثلج، يزحف الى عيونهم بريق بطيء كشعاع شمس غاربة مترددة. جاؤا إلى الجامعة للحصول على الشهادة ثم الالتحاق بعبيد العمل فى السوق، يحملون تحت ضلوعهم الضجر والوجع، والأمل المفقود فى الفصل منذ طفولتهم،

أقول لهم انه نظام التعليم القائم على الازدواجية والثنائيات والتناقضات، لم تغير أسس التعليم منذ العبودية، الا بما يسمح بزيادة الجشع واغتصاب حقوق الغير، وتراكم أرباح السوق، وتطور أسلحة الغزو والدمار الشامل. ويسأل طالب، هل يختلف نظام التعليم فى أمريكا عنه فى مصر وترد عليه طالبة، تختلف النظم التعليمية من بلد الى بلد، لكن الأسس واحدة، رغم تقدمنا فى مجال علم الكون، مازلنا نؤمن بنظرية الخلق الواردة فى الكتاب المقدس.

ترن ضحكات مكتومة، ويقف طالب قائلا: أنا تحررت تماما من هذا الفكر اللاهوتى وكل شيء أخضعه لعقلى وترد عليه الطالبة: لكن عقلك لا يزال ذكوريا. وغزواتك. النسائية؟. ترن ضحكات خافتة فى الفصل، يصعد الدم الى وجه الطالب ويجلس صامتا حتى آخر الحصة.

كانت حرية الجدل متاحة، يتكلمون أكثر منى (الطريقة الأفضل للتعليم) أحاول اثارة خيالهم بالأسئلة: هل تنقرض الرأسمالية الأبوية فى المستقبل مثل الديناصورات؟ وكيف يكون العالم بدون الأديان؟.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 1 يونيو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: