عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

من هو المفكر؟ عبدالعزيز الحيص في مشادة سعودية…

من هو المفكر؟

1321293538

عبدالعزيز الحيص

في مشادة سعودية تقليدية قال شاب متدين لآخر مثقف: “أنتم ترددون المفكر وقال المفكر، كأن الناس لا تفكر؟!”. رد الآخر: “وأنتم أيها المتدينون ترددون العالم وقال العالم وكأن الناس لا تعلم!؟”. يبدو أننا في وقت اقترب فيه الناس فيه أكثر من هذه الشخصيات الاعتبارية كالمفكر والعالم، ومن مساءلة طبيعتها ودورها. هذا الموقف الظريف يعكس تساؤلاً مهماً اليوم. فالشبكات الاجتماعية قربتنا لبعض كبشر، وأصبح الجميع يتحدث، الجميع ينثر أفكاره، وهناك تساؤل يحتد لدى الشباب اليوم، من هو المفكر؟ من هو الشخص الذي يفترض أن نأخذ الأفكار منه؟.

أنا لدي قناعة أن أفضل من يتحدث عن المفكر، وأفضل من يقوم بتعريفه هم أولئك المفكرين الذين أنتجوا أعمالاً فكرية على مدى عقود طوال. وهذا شرف لا أدعيه، لكن أنا هنا مجرد متابع ومحب للمفكرين، لذا يسهل علي أن أتطفل بآراء لا تُلزم أحداً. أمر آخر هو أن المفكر قد لا يهتم أن يتحدث عن المفكر!. فهو منشغل بالأفكار وإنتاجها في مساره. مثل ذلك، الفيلسوف قد لايُعرف في زمن جيله أنه فيلسوف، فمقدار فاعلية ووظيفية أفكاره وانتشارها قد تتضح في الجيل التالي، بجانب معرفتها المتوقعة في وقتها الآني. وكذلك المفكر، ففي زمنه يحاصره معاصريه المثقفين من أهل المضادة والمنتقدين له أو غرمائه الحاسدين، لذلك قد يصعب تعرفه مباشرة.. وربما نحتاج إلى بعض الوقت. الجابري الذي نعرفه كمفكر اليوم، ربما يصبح فيلسوفا لاحقاً!. كذلك، عزمي بشاره الذي انتشرت أفكاره وتمت متابعتها أوقات الثورة العربية، قد يتعرض للكثير من النقد اليوم، لكنه قد يصبح الفيلسوف المعبر عن هذه المرحلة لاحقاً.. من يدري؟ الزمن ووظيفية الأفكار ومدى تفعيلها وتمثلها هي من سيخبر.

ذات مرة، كتب الفيلسوف كارل بوبر فصلا أسماه “كيف أصبحت فيلسوفاً دون حتى أن أحاول؟”. يذكر بوبر أنه لم ينو الاقتراب من الفلسفة ولم يدرسها في الأصل، فهو يوافق كانت في أن “الفلسفة لا تُدرّس”. لكن بوبر يذكر أن ما دفعه لأن يكون فيلسوفاً هو محبته للمشاكل التي عمل عليها. لقد أحبها لدرجة أنه يعيد العمل عليها مرة بعد أخرى، ويندفع إلى القراءة والبحث في مجالات متعددة كي يجيد فحص الحالة التي بين يديه. يعلن بوبر أنه توجد “حلول جيدة” لكن لا توجد “حلول نهائية”. وقد عمل على فكرة كتابه الأول “منطق البحث العلمي” لما يقارب الخمسة عشر عاما. ومن المشاكل التي أحبها بوبر وبدأ بها مسيرته العلمية، مسألة مدى علمية النظرية.. وكان من ضمن ذلك نقده للنظرية الماركسية. إن الإنسان بذلك ليس له أن ينوي أن يكون فيلسوفاً، وإنما له قدرة على مقاربة التفلسف.. وذلك لا يكون إلا عبر موقف نقدي.

عودة للمفكر. كيف نعرف المفكر؟. نحن نعيش في زمن الكل يتابع الأفكار فيه. الفتى المراهق، أو الفتاة الصغيرة اليوم تقضي زمنا فيه مع جهازها “الآي باد” أكثر من الزمن الذي تقضيه مع أهلها. هذا زمن الكتروني خاطف، حتى علماء مسار “علم الاجتماع الإلكتروني” اعترفوا أنهم يعجزون عن ملاحقة تبعات هذا العالم الافتراضي وآثاره المتسارعة. ووسط كل هذا الازدحام تتعزز أهمية الحصول على الأفكار وتعرّف صناعها.

إن المفكر ليس المثقف. المفكر يحتاج المثقف لأن الأخير يقوم باظهار أفكاره ونقلها إلى المجتمع. ولكن ما هي أفكار المفكر؟. المفكر شخص غاص في عمق الأفكار، وتعرّفها، ثم استطاع أن يكون منها شبكة “توليدية” تقود إلى أفكار جديدة. إذن المفكر هو من ينتج “أفكارا جديدة”، نستطيع أن نصفها أنها مواكبة ومرتبطة بالمرحلة الراهنة ومناسبة لها. إذا لم تكن مناسبة للمرحلة فإنها تموت، وتندثر كما كثير من “الكلام”.

وكثيراً ما يتم الخلط بين المفكر والتربوي الذي يقدم نصائح تربوية مثالية ووعظية. المفكر لا يفعل ذلك، المفكر معني بالنقد والتشخيص.. باصطياد الأمراض والعلل. ويتم الخلط أيضاً بين المفكر والمثقف. بينما المثقف هو من يجمع المعلومات والأفكار ويقوم بتوزيعها، ويحتاجه الفيلسوف والمفكر، لأنه من يحمل أفكارهما إلى الناس، وبدونه قد يقع المفكر والفيلسوف في عزلة، إلا إن كان المفكر يجيد الدور الثقافي وتساعده لغته وأفكاره على هذا الحضور. والفيلسوف هو من يصنع الفكرة من الأساس والجذور، من يفتلها من العمق النظري. بينما “المفكر” هو من يصنع الأفكار عبر تركيبة توفيقية وعلاقات ربط وتلاقح فينتج الجديد منها. الجديد الذي يكون فاعلا تجاه معضلة قائمة.

ومن دون رسم موقف من الصعب أن نتحدث عن قيمة للفكر أو الثقافة في السياق الإنساني. فلا يوجد فكر محايد، وإنما فكر موضوعي. لأن أية أفكار تصدر طبيعي لها أن تتموضع في نقطة ما، وهذه النقطة لها ما يضادها ويتباين معها.الإنسان يولد ويجد أمامه واقعا يسير باتجاه معين، حتى التزام الصمت لا يعتبر حيادا، لأنه يعني الرضا بالمسار الحالي والوضع القائم. وهذه الفكرة الأخيرة كانت عماد كتاب هوارد زن “لا يمكنك أن تكون محايداً في قطار سريع”.

إن أفكار المفكر “الفاعلة” تدللنا أنه نافع لعصره. أي أنه “مثقف عضوي” كما يصف غرامشي. مرتبط بواقع الناس وتحديات واقعهم الآني. تُختبر فاعلية المفكر من خلال أفكاره ودورها في محيطه، وكيف تكون قادرة على نقل الناس إلى مرحلة أفضل، عبر مواجهة معضلاتهم. يذكر شريعتي في “النباهة والاستحمار،47” أنه لا تكاد تجد فيلسوفاً في عصر الأنوار إلا وقد طبق مذهبه في السياسية. وقد ابتلي العرب بكثير من أحاديث المثقفين المنعزلة عن واقعهم، والمتجاهلة لقضاياهم الحيوية. سيّان في ذلك السطحي منهم والعميق. أعلن هادي العلوي مرة أن “أكثر الناس تعمقاً في الكلام، هم أبعدهم امتثالاً للمثقفية ومطالبها في العدالة، كالقاضي عبدالجبار الذي جمع ثروة” “محطات في التاريخ والتراث، 135”. وهادي العلوي هو صاحب مفهوم “المثقفية”، الذي يدلل على انخراط المثقف في الشأن العام والتداخل النشط مع قضاياه.

المفكر إذن، هو من ينتج أفكار جديدة، لها سندها النظري أو التجريبي، وتقوم بتوظيف معالجاتها عبر “سياق” حيوي مناسب. إنه صيغة عليا من المثقف المتفاعل والمتحسس لقضاياه. ذلك الذي عرفه تشومسكي مرة بالقول: “المثقف هو من يقول الحقيقة بوجه القوة”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 28 مايو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: