عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

لنتفق كيف نختلف ؟  د خضير الخزاعي الاختلاف…

لنتفق كيف نختلف ؟

filemanager

 د. خضير الخزاعي 

الاختلاف سنة كونية نلحظها في كل شيء وعلى كل اتجاه، فقد لا نجد شيئاً متكرراً مهما تشابه أفراده، حتى التوائم التي انشطرت من بويضة واحدة هي مختلفة وإن تشابهت، واختلافاتنا في المنظر، نحن البشر، يقابله اختلافات في الجوهر والمخبر، ومهما عملت الدنيا بكل علمائها وعلى مختلف تخصصاتهم فأنها وهم عاجزون على استنساخ الاشياء وتكرارها، وحذف التفاوت بينها أو شطب الاختلافات وإلغائها، لأنها في الواقع أمنية لا تتحقق ودعاء لا يستجاب.

ولذلك فلا خيار لنا – نحن الآدميين – الا أن نتعايش وبالشكل الذي لا يفسد الاختلاف بيننا في الودّ قضية، وإلا فالعيش نكد والحياة حبلى بالازمات التي تتوالد ولا تنتهي عند حد، وبداية عيشنا المشترك أن نعترف أولاً باختلافاتنا ثم نؤسس على هذا الاعتراف وذلك الاختلاف قوانين وأنظمة واعرافا نحكّمها ونرجع اليها عند كل خلاف، والا فمنطق القوة هو الحاكم ولا صوت للضعفاء إلا الأنين ولا نصيب لهم من الدنيا الا القهر والقمع والاضطهاد، وذلك ما تحكيه لنا قصة الخلق التي بدأت بقتل قابيل هابيل ولم تنتهِ لا بخلق جديد بمقاسات جديدة لا نملك ادوات صنعها، ولذلك فلا مناص من الرضا بما نحن فيه من تفاوت واختلاف ينبغي أن يحثّنا باتجاه البحث عن حلول تحول دون اقتتالنا واحترابنا وخلافاتنا، خاصة وأننا لم نختر لانفسنا أي تميّز عن الآخرين، فلم يتدخل أحد منا في خلقته واختيار لون بشرته وطول أو قصر قامته أو صغر وكبر ولون حدقته ولا في تجاعيد وجهه ولون شعره. كما لم يختر أي منا قارّته وبلده ومنطقته ولا مسقط رأسه وولادته، ولم يستشره أحد في تاريخ ولادته ولا انتخاب دينه وعقيدته.

 إنها اقدارنا التي كتبت علينا، وكما قال الشاعر:

مشيناها خطىً كتبتْ علينا

ومَنْ كتبتْ عليه خطىً مشاها.

ولذلك لا فضل لأحدنا على سواه ولا منة لغير الله على أحد فيما اتاه، وبذلك تتكرس فكرة المساواة وتكبر معها مفاهيم العدالة وتتسع دائرة الانصاف التي لو مال بعضنا عنها لتجاوز حدوده وضيّع حقوق الآخرين.

وإذا كان كل آدمي فينا يدرك عمق هذه المساواة ويتبنى فكرة العدالة والانصاف لكانت الدنيا بخير ولتحولت عندها خناجرنا الى مناجل، واسلحتنا الى محاريث تخرج زرعاً وتنبت سنابل، لكن ضيق الصدور وقلة الوعي وشح الانفس التي لم تروضها مدارس الاخلاق والقيم، ولم تصقلها الأديان وانسانية الإنسان هي التي ضيّقت الأرض على ساكنيها بالظلم والقمع والعدوان، وتحول الإنسان أخو الإنسان الى غول يمتهن الظلم والعدوان، ودخلت البشرية دوامة العنف بدل اللطف، والأثرة بدل الاحسان، والاحتكار بديلا عن الايثار، وتسلط الاشرار والطغاة والفجار على الأخيار والابرار والاحرار، وتلك هي حال سكان الارض اليوم قوىً شيطانية مستكبرة وشعوب مقهورة محرومة معذبة، وطغاة مجرمون سفاحون اذاقوا ابناء جلدتهم من الفقراء والبسطاء كؤوس العذابات مترعة دهاقاً.

وانطلق العقل البشري المبدع منتكساً ليتحول الى وسيلة دمار شامل صيّر من عناصر الطبيعة الخيّرة شراً مطلقاً لايطاق وقد قرّبت التكنولوجيا بين المسافات وصارت الشرور عابرة للقارات تبشر بدمار الدنيا وفناء أهلها أو استعبادهم، وهذا هو ديدن الصراع بين الخير والشر تاريخياً، اذا لم يتعاضد الآدميون على حلّ ازمات الاختلاف فيما بينهم، ويحولونها الى ساحات حب وعطف وميادين إثراء وإغناء عبر اعتماد منهج التعاون والتكامل والتواصل>

 وفي ذلك تعم السعادة ويتحرك قطار الحياة نحو محطات الامل والرجاء مبشراً بغد سعيد ومستقبل واعد رغيد، والا فالطوفان والكارثة.

ومعلوم أن ما لدينا من خيرات وخبرات وما لدى الآخرين من فنون وابداعات واختراعات تشكل بمجموعها مواد صناعة لحياة حرة كريمة يتلذذ بخيراتها الجميع وينتفع منها الكل، والطبيعة بذاتها سخية كريمة لا تبخل على مَنْ فيها، وانما صيّرها الرحمن الرحيم مقراً آمناً عندما يكون الإنسان عليها خليفة لله تعالى على ما أودع فيها، وهو سبحانه القائل: (أني جاعلٌ في الأرضِ خليفــة).

 وحينما اشكل الآخرون على هذا الجعل الالهي بقولهم: (أتجعل فيها مَنْ يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال إني أعلم ما لا تعلمون).

وللانصاف استطاع الإنسان أن يكون خليفة حينما عمّر الأرض وأحياها واضفى عليها من ابداعاته فناً وجمالاً وروعة، ولكنه أخفق في عملية توزيعها على ابناء جنسه عندما استأثر واحتكر واستكبر، وبذلك يكون قد نجح في تعاطيه مع الاشياء، ولكنه اخفق حينما تعامل مع أخيه الإنسان فقمعه وقهره وظلمه وجوّعه وقتله.

كما اخفق في تعامله مع الله المنعم المتفضل الذي خلقه فسواه فعدله، لكنه كفر به واستكبر وما قدر الله حق قدره فعصاه وتكبر عليه وتمرد على قوانينه فذاق مرارة طغيانه واستحق فواتير إعراضه عنه سبحانه فحول حياته ضيفاً وسعتهاً ضنكاً، وهو  سبحانه القائل: (ومَنْ أعرض عن ذكري فأن له معيشة ضنكا).

 وأي ضنك اشد من هذا الضنك الذي ضيّع فيه الإنسان أمنه وامانه وايمانه وتركه طعما للخوف واليأس والمعاناة ليذيق بعضنا بأس بعض كأن لم تكن بيننا مودة وكأننا لسنا أبناء لآدم وأخوة في الدين أو نظراء في الخلق.

فهل لنا من عودة الى جادة الحق والحب والصواب لنتعايش بأمن وأمان حينما نتفق كيف نختلف، فلا يظلم بعضنا بعضاً ولا يكره بعضنا بعضاً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 26 مايو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: