عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

المغاربة لسانهم مع الديمقراطية وقلبهم مع قوانين الشريعة…

المغاربة لسانهم مع الديمقراطية وقلبهم مع قوانين الشريعة .

596

سعيد الكحل

حدثان بارزان يستوجبان الوقوف عندهما بما يقتضيانه من دراسة وتأمل عميقين . فالأمر لا يخص آحاد الناس ، بل يهم ــ بالدرجة الأولى ــ الحاكمين وجميع التنظيمات السياسية المسئولة عن تأطير المواطنين .

الحدث الأول يتمثل في وصول تنظيمات الإسلام السياسي إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع في الدول التي عرفت ما بات يُعرف خطأ “بالربيع العربي” . ليس المشكل في وصول هذه التنظيمات إلى السلطة ، فهي في نهاية المطاف قوى اجتماعية وسياسية لها حق التنافس على الحكم ؛ بل المشكل في اقتناع هذه القوى الإسلامية بأن الدولة الديمقراطية هي مجرد محطة للانتقال إلى دولة الشريعة التي تمثل هدف كل التنظيمات الدينية ، معتدلة ومتشددة . ونتيجة لهذه القناعة تعالت الأصوات من داخل هذه التنظيمات، بمجرد ظهور نتائج الانتخابات التي أعطتها الفوز بالمراتب الأولى ، مطالبة بتطبيق الشريعة وإلغاء القوانين المدنية (حالة مصر ، تونس ). ورغم وضوح أهداف التيار الديني من الممارسة السياسية وآفاق دولة الشريعة التي يرنو إليها ، فإن الناخبين منحوا مرشحيه المراتب الأولى . وسواء أدرك المواطن أفق التيار الديني أو لم يدركه ، فتصويته لصالحه هو دعم لمشروعه المجتمعي الذي يقوم على أسس دينية وليست مدنية . وبسبب طبيعة المشروع المجتمعي هذا وخلفيات القوى السياسية الحاملة له ، لم يتم التنصيص في الدساتير الوليدة ، على مدنية الدولة وقوانينها . بل جاء التنصيص على أن الإسلام دين الدولة والمصدر الأساسي للتشريع . وبمقتضى نص الدساتير ، تكون الدولة دينية وليست مدنية طالما لم يُسمح فيها للمواطنين من الأقلية الدينية بالترشح لمنصب الرئيس .

أما الحدث الثاني فقد كشفت عنه دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث ما بين عامي 2008 و2010 ، حيث تبين أن أغلبية المواطنين في الدول العربية تؤيد تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية . وبلغت هذه النسبة في صفوف المغاربة المستجوبين 83 في المائة . وهذا يطرح أكثر من علامة استفهام : أبَعْدَ كل التضحيات التي قدمها المناضلون ،وعلى مدى أربعة عقود يطالب 83 في المائة من مواطنينا بتطبيق الشريعة ؟ ألم يستفد المغاربة من التجارب السياسية المأساوية التي قامت على تطبيق الشريعة ( طالبان أفغانستان ، الصومال ، شمال مالي ) ؟ لماذا الحنين إلى الدولة الدينية ؟

لفهم هذين الحدثين ، ينبغي فهم الذهنية العربية/الإسلامية التي تشكلت على مدى قرون خلت ، حيث ارتبطت الدولة بالدين وتأسست على تحكيم شرعه . وتختزل تجربة الحكم الإسلامي في تجربة الخليفة عمر بن الخطاب الذي جسد بساطة الحاكم وعدله . وظلت هذه التجربة ملهمة للمخيال الجمعي ، خصوصا وأن التجارب السياسية التي أنتجتها الدولة الوطنية وكرستها في واقع الشعوب العربية كانت ولا زالت قائمة على الاستبداد والقهر . فهذه الشعوب ، ومنذ انعتاقها من ربقة الاستعمار ، ظلت تشنف مسامعها شعارات الديمقراطية البراقة ووعود الحكام المعسولة بالحرية والكرامة والعدالة ، دون أن تلمسها أو تنعم بمكاسب الديمقراطية التي تصون حقوقها وتضمن كرامتها وتكف بطش الحكام عنها . فالتجارب التي عاشتها الشعوب في ظل الدولة الوطنية رسخت في وعيها الجمعي أن العدل مرهون بالدولة الإسلامية ، دولة الخلافة ، وأن الظلم قرين الدولة الوطنية . فالمواطن العربي ، والمغربي جزء منه ، يسمع بدولة الحق والقانون لكنه يعيش واقع النهب والاستغلال والاستبداد دون أي مفعول للقانون ؛ بل القانون يحمي الفساد ويحصن المفسدين . من هنا فالمفارقة التي يلمسها ويعيشها المواطن بين الخطاب الرسمي والممارسة تغذي فيه الحنين إلى دولة الشريعة التي يجسدها الخليفة عمر الذي ، كما ارتبط في المخيال الجمعي ، كان العدل يجري على يديه ، ولا يروح المظلوم إلا وقد اقتص له الخليفة من ظالمه . بينما في الدولة الوطنية ، يعيش المواطن الاضطهاد بكل أشكاله ومستوياته دون أن يجد له سندا يحميه ، سواء قانونيا أو مؤسساتيا . إن الدولة الوطنية لم تجعل الممارسة الديمقراطية ذات مكاسب يلمسها المواطن العادي في الإدارة وفي الحياة العامة ،كما لم تحرره من الخوف الذي يطارده حتى داخل بيته وبين أهله ؛ إذ من شد الخوف والتوجس ، جعل للحيطان آذانا تلتقط همساته وللظلام أعينا ترصد تحركاته . ولو أن الدولة الوطنية نجحت في ترجمة شعرات الديمقراطية إلى واقع معيش يمارس من خلاله المواطن إنسانيته بكل حرية وكرامة ، فإن الحنين أو التطلع إلى نمط آخر للدولة يفقد دوافعه . وإنها لنتائج حتمية لعقود من القهر والاستبداد ، أن يطالب 83 في المائة بتطبيق أحكام الشريعة وليس قوانين الديمقراطية . ووجه الخطورة أن هذه النسبة المرتفعة من المواطنين تشكل خزان أصوات للتيار الديني الحامل لمشروع دولة الشريعة ، وكذا جيشا احتياطيا له القابلية المثلى للانخراط في معارك فرض الشريعة أيا كانت مستوياتها وأساليبها والجهات المطالبة بها . ولعل تطور أعداد التيار السلفي الجهادي في تونس من أربعة آلاف حضروا الملتقى التأسيسي الأول عام 2011 ، ثم 20 ألف حضروا الملتقى الثاني في مايو 2012 ، إلى 40 ألف التي كان مقررا حضورها في الملتقى الثالث لأنصار الشريعة يوم 19 مايو الجاري ؛ لعل هذا التطور التصاعدي ينبئ بما ستؤول إليه الأوضاع في مستقبل الأيام إذا لم يصبح الإنسان في صلب اهتمام الدولة والأحزاب .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 25 مايو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: