عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

صوت الفن أعلى من دويّ الرصاص الكاتبة الصحفية ناجية…

صوت الفن أعلى من دويّ الرصاص

Sans titre 

الكاتبة الصحفية: ناجية السميري

ساحة للشهيد، نصب تذكاري للشهيد، ورد تكدّس على روح الشهيد وأنغام وأغنيات وأشعار ورسوم للشهيد، وهتاف من الرفاق «أنّا على دربك لن نحيد… لن نحيد» هل كان كل هذا الاحتفاء كافيا ليخرس صوت الرصاصة….؟ تلك الرصاصة التي دوت ذات صباح 6 فيفري بأربع طلقات وأسكتت صوتا كان ينادي بالحرية والكرامة الوطنية..؟

هل كان ذلك كافيا لتلملم بسمة رفيقة درب الشهيد ما تبقى من شجاعتها وتدّخرها للسنوات القادمة تستعين بها لإتمام معركة بدأها شكري بلعيد ولم يستكملها…؟؟

تماما كما غنّى الشيخ إمام «اتجمعوا العشاق في سجن القلعة» اجتمع الرفاق في ساحة المنزه السادس (التي صارت ساحة تحمل اسم الشهيد» يوم الأحد 17 فيفري بأعداد غفيرة تضم وجوها سياسية وثقافية وشبابا كثر… لبسوا قمصانا عليها صور الشهيد وتأكيدا على أنه حيّ…

تتصاعد الأغنيات لسماء ملبدة بالغيوم تبدو على وشك البكاء ولا تبكي… ليست هذه مرحلة البكاء… قطعا ليست كذلك، هكذا تقول عينا نيروز المتحدّية بإصرار رغم أن الراحل والدها، واليتيمة صارت صفة من صفاتها تحملها كوشم قدري لا يمحى بالأغنيات لأنه نحت بالدمّ…

«…والذي اغتالني ليس ربّا ليقتلني بمشيئته/ليس أنبل مني ليقتلني بسكينه.ليس أمهر مني ليقتلني باستدارته الماكرة/والذي اغتالني محض لصّ/ سرق الأرض، الخبز، الحرية، الحبّ من عيني…»، أمل دنقل كان حاضرا بهذا الصوت المدوي ليعلن أن للفن وللحبّ وللوفاء وللمعركة العادلة صوت أقوى من صوت الرصاص…

كانت الأغنيات وهي تملأ الساحة يوم الأحد محاطة بالورود الحمراء والأعلام الحمراء تؤكد أن الصمت لن يطلق ضحكته الساخرة، ،وتؤكد أن «لا تصالح، ما الصلح إلا معاهدة بين ندّين ـ في شرف القلب». تلك معركة ـ وإن خطّ الدمّ أحد مساراتها ـ تبقى معركة بين الفكر الحرّ والقتل الأعمى، بين صوت عال وخيال قاتل يتحرك في الظلام… قاتل لا صوت له غير صوت رصاصة… رصاصة تقتل وتموت، ينتهي عمرها بمجرّد تسديدها نحو قلب القتيل. ينتهي القاتل بانتهاء عمر رصاصته ويبقى الشهيد… في القصائد وفي المراثي المطمئنة ومرسوم الحداد وفي الهتافات وتجاعيد الرفاق… «وكل شيء، كلّ شيء، حين يعلن وجهه للذاهبين الى ملامح وجهه». أو هكذا كان درويش من مرقده يرثي الشهيد: «والجرح ينزف حيا، وحيّا، ولو قال صاحبه: قد نسيت الألم».

تعبيرات فنية

كلهم جاؤوا بقصائدهم وموسيقاهم وأغنياتهم، وورودهم وأصواتهم وهتافاتهم.. وشهادات الرفاق كانت تذكّر بأن بلعيد يحبّ الفرح ويقول: «دعوا الشباب يفرح… سنغني رغم أنف الجلاد…» فغنّوا: «شيد قصورك» و«لن يمروا» و«سآخذ وجهي وأرحل» و«بسيطة» و«حيّاك بابا حيّاك» و«يا شهيد» وأغنية كان يحبها كثيرا: «يا حجل طليت ما مالعلالي/ خبّر الرفاق على حالي/ خبّر الرفاق يا حجل».

تعبيرات فنية أخرى كانت حاضرة في احتفالية الأحد بالمنزه السادس على غرار بورتريه للشهيد بريشة محمد علي العيادي ونصب تذكاري فوق مسرح الجريمة يجسّد الشهيد، يداه إلى الخلف متقدم في الخطابة والرصاصة تخترق القلب لتسكت الصوت… المجسم أهداه النحات منصف مشيش لروح الشهيد ورفاقه…

شــــهـــادات الفنانين

كلّ الذين جاؤوا الاحتفالية الأحد، سواء عرفوا شكري بلعيد عن قرب او تبنوا صوته (صوتهم) أو لم يعرفوه إلا من بعيد… لم يكن مجيئهم لمجرّد تأبينه والبكاء على روحه… جاؤوا ليقولوا مازلنا هنا… نغني ونحب الحياة… مازلنا نقاوم… مازالت الثقافة رديفا للسياسة.. ومازال للفن صوت يقول… «التقطني… واضرب عدوّك بي… فأنت حرّ.. وحرّ… وحرّ».

ضمن هذا السياق … استقينا بعض الشهادات حول امكانية تصدّي الثقافة كفكر حداثي متعدد الآليات للعنف الذي صار كابوس المواطن التونسي ويبعث في دواخله خوفا مسيطرا لم يكن يعرفه قبل حادثة اغتيال شكري بلعيد.

الأولوية للشارع والساحات العامة

صالح حمودة (مسرحي) يعتبر حادثة اغتيال شكري بلعيد جريمة سياسية ممنهجة، خطط لها ونفذها أعداء الحرية، «هذا الاغتيال حدث مفصلي في تاريخ تونس ما بعد الثورة، والتحرك في الشارع للتنديد بهذا العنف ليس مطلب المثقف فقط، فالموظف والعامل والفلاح والطالب والعاطل والسياسي النزيه… كلهم مطالبون بالإنضمام إلى الشارع للتعبير عن رفضهم… الفن وحده لا يكفي لصد موجة العنف المتطوّر الى القتل… وعلى الفنانين اليوم أن يخوضوا معاركهم في الشارع … حيث الصوت أعلى، وإمكانية إتحاد كلّ مكونات المجتمع المدني من أجل القيم والمبادئ المشتركة أقوى… ويضيف : «إن رمزية التجمهر أمام المسرح البلدي للتظاهر ليست وليدة الثورة بل انطلقت عقب أحداث الثورة بل انطلقت عقب احداث غزة 2008 حيث شهد المسرح البلدي أول تحرك يندد بالعدوان على غزة، وهو تحرك تاريخي نظمته نقابة الفنون الدرامية بالتنسيق مع النقابات الأخرى … يومها لم نكن في الشارع بصفتنا فنانين معروفين وكذلك يوم تجمهرنا بساحة محمد علي وأصدرنا أول بيان ضدّ عائلة الطرابلسية. إن غياب الجمهور عن فضاءات العروض اليوم لا أعتبره نابعا من الخوف وإنما ينبع من الإيمان بأن الإلتحاق بالشارع يمثل أولوية للخروج بالتعبيرات الفنية المنددة بالعنف وخنق صوت حرية التعبير إلى الفضاءات الواسعة للالتحام بالشعب… النضال اليوم هوّ بمثابة الخبز الفني … والنضال اليوم مكانه الساحات…».

اغتيال شكري بلعيد وحّد اليسار

سنية شامخ (كاتبة ومخرجة سينمائية) «منذ 14 جانفي والفنان التونسي لم يغادر الشارع … ولأنه قادر على إيصال صوته عن طريق الإبداع ولأنه الأكثر مراقبة لمجرى الأحداث وهو الحامل لمعاني الحرية في تعبيراته الفنية المختلفة فهو المهدّد الأوّل بالعدوان بعد الثورة …». اغتيال شكري بلعيد وحّد اليسار التونسي الذي اعتبره البعض «يسار الكريستال الهش» المناضل الشهيد كان يمثل رمزا للفكر التقدمي التحرري الذي يستشرف المستقبل وكما قدّم الشهيد فرحات حشاد دمه ليصبح الاتحاد العام التونسي للشغل من أقوى مكونات الوطن الأساسية التي تشارك في تقرير مساره، فإنّ شكري بلعيد قدّم دمه ليصبح اليسار التونسي قوة للفكر التحرّري والتنويري والتقدمي ويصبح أيضا جزءا أساسيا من مكونات الوطن لا يسار صالونات كما كانوا يدّعون… صار اليسار يسار دم… والذي اغتال شكري بلعيد قدّم من حيث لا يدري شهادة على قوة جبهة اليسار في تونس.

العنف سلاح من لا سلاح له

حبيب المستيري (مخرج) في حديثه عن العنف والفن إعتبر أن الفن عنف إيجابي يحرّك الشعب لقضايا أساسية كحجب الحريات والاعتداء على حقوق الآخر والظلم والتهميش لكن العنف الآخر، هوّ سلاح من لا سلاح له، وهو رفض للآخر ورفض للاختلاف، العنف مظهر من مظاهر انعدام الثقافة، والفنّ يملأ الفضاءات التي تفرع من الثقافة … الفن يبشر بالحياة والعنف يبشر بالموت… لذلك يبقى دائما صوت الفن أقوى من دوي الرصاص… و«اعتقد أن مقاومة العنف تتطلب تخطيطا ووقتا لاستئصاله … وهو علاج على المدى الطويل يدعو إلى مراجعة جوانب تربوية وثقافية واقتصادية وسياسية..».

للرصاصة تأثير واحد

خميس البحري (فنان ملتزم). الرصاص له تأثير واحد لكن الفن والصوت والصورة والفكرة تؤثر في أجيال متعاقبة وتؤتي أكلها… ولهذا يريد دعاة الظلام إسكات.. صوت الفن… دور المثقف كبير وعلى درجة من الأهمية في استئصال مظاهر العنف بأنواعه سواء كان مسلطا على الجسد أو على الفكر… نحن دعاة الحياة والحرية والكرامة والتقدّم لسنا «الغربة» بل كل من يعادي هذه القيم هو «الغربة».

«نحن كمثقفين حاملون لواء التقدم مطالبون بالتواجد في كلّ الفضاءات بما فيها السياسية لملء كلّ الفراغات التي يمكن أن تمرّر معاني الظلم والقمع والاستبداد من جديد… الاغتيال الذي استهدف رفيقنا شكري بلعيد هو اقصى ما يمكن ان يحدث، وأقصى ما يمكن أن تصل إليه الأيادي الآثمة، اغتيال شكري بلعيد طال جسده فقط… لكن صوته مازال حرّا وبإمكانه الصراخ من جديد ..!!

الحياة تواجه الموت

المخرج الفلسطيني نصري حجاج الذي جاء خصيصا لحضور موكب تشييع جنازة شكري بلعيد، لم يتغيب عن احتفالية يوم الاحد وفي شهادته وصف الجماهير التي واكبت الجنازة بالحياة التي تواجه الموت. «الشعوب العربية تعاني منذ أكثر من ستين سنة من حالة موت واستبداد وسحق لكل حقوقها الانسانية. ومنذ بدء الثورات العربية بدأت أشكال مختلفة للحياة تظهر لدى الشعوب العربية». ويضيف : «إن خروج أكثر من مليون مواطن في جنازة شكري بلعيد هو نوع من أنواع تجديد لإرادة الحياة والوقوف سدّا منيعا في مواجهة العنف والموت الممنهج.. وهو أيضا ثقافة تحد لاستبداد جديد يتسلّط على الشعوب باسم الله..!!

الاعتداء على النصب التذكاري

نساء ورجال، أطفال وشباب وشيوخ حملوا الورود في وضح النهار ليحيطوا بها مسرح الجريمة، حيث دماء الشهيد لم تجف بعد، حتى الأغنيات لم يسكت صداها في ساحة المنزه السادس، وقوافي قصائد الشعراء مازالت معلقة على جدران البنايات المحيطة بالمكان، عندما تسللت الفؤوس ملتحفة سواد الليل كما يتسلل الحقد الى القلوب الحالكة لتنهال على النصب التذكاري وتهدّمه… حتى هذا لن يسيء إلى الشهيد ونضالاته فجثته التي ترقد بالمقبرة تحت الحراسة تؤكد أن شكري بلعيد يخيفهم حيّا… ويخيفهم ميتا… أكاد أتخيلّ الشهيد يتسلى بالقاتل وهو يلاحق خياله ككلب صيد وفيّ.. .ويقول : «لن أصدّق أنني قدمت موتا كاملا… فربما أنا بين بين..» درويش مرة أخرى.

جريدة الصحافة بتاريخ 10.02.2013

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 20 مايو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: