عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

بيان ما بين الدين والسياسة من تباين مبارك أباعزيخاص…

بيان ما بين الدين والسياسة من تباين

 Sans titre

مبارك أباعزي

خاص بالموقع

حظيت علاقة الدين بالسياسة على امتداد تاريخ الأديان باهتمام كبير، حيث أدلى معظم الفلاسفة والمفكرين بدلوهم في الموضوع، وبدأ التفكير في حدود كل منهما في أوربا بعد طغيان الاستغلال السياسي للدين. وإذا كانت أوربا، والدول الغربية مجتمعة، قد نجحت في الفصل بين الدين والسياسة، وأصبحت الأسرة في الغرب، تبعا لذلك، تعتبر الحديث في الدين والجنس أمرا محظورا باعتبارهما متعلقان بالفرد، ففي الدول المسلمة ما زال هناك سجال قوي بين الإسلامويين والعلمانيين أفضى بعضه إلى القتل (حالة فرج فوذة مثلا)، وأدى معظمه إلى إفساد علاقة الود بين الطرفين. وفي ما يلي سنحاول الوقوف على بعض معالم التباين بين السياسة والدين في ما يشبه الاستيحاء المقترن بالتحليل.

***

إن علاقة الدين بالسياسة شبيهة بوجهي العملة الواحدة الذي لم يحدث أن تقابلا يوما؛ لأن السياسة هي فن تدبير الصراعات داخل مجتمع ما دون انحياز إلى طرف ما، في حين أن الدين يعلن انحيازه إلى المتدينين. إن السياسة هي فن العيش معا، والدين هو فن عيش المتدينين مع بعضهم.

بيد أن المقصود بالمتدينين في هذا السياق هم الإسلامويون الذين يومنون بضرورة تطبيق الشرائع الدينية وما تتضمنه من أحكام، وهنا نميزهم عن المسلمين الذين يومنون بالله ورسوله دون أن يعني ذلك رغبتهم في تطبيق تلك الأحكام.

***

إن السياسة هي التي تجعلنا نأتلف على اختلافنا ونعيش سوية تحت فيء التعايش. أما الدين فلا يجمعنا إلا لكي نختلف من جديد، لا يصالحنا إلا لنعاود البغضاء بيننا؛ فمشكلته تكمن في مقبوليته المنتشرة وتسليم جمهور الشعب بصدق نوايا كل من يتحدث باسم الدين، ومن ثم يعتبرون أن كل كلام منطوق من لدن فقيه معروف هو من صلب المعاني الإلهية، وهذا بالضبط ما أوقع الناس في مشاكل لا حصر لها.

لو كان ما يوجد في الإسلام هو ما يوجد في المسلمين، لما احتاجت المجتمعات المسلمة إلى شرطة ومؤسسات قضائية وجنائية، لما احتاج إلى قوانين وضوابط، لما احتاج الإنسان إلى إحكام أملاكه قبل أن يتوجه إلى أبعد! مسجد. إن عدم وجود إمبراطورية إسلامية وحضور التقسيم الجغرافي في البلدان المسلمة هو التعبير الأول عن وجود شيء غير طبيعي يخص الإسلام والمسلمين على حد سواء. والحقيقة إذن هي أن الإنسان تتملكه الرغبة، هذه الرغبة التي تحرك فيه نوازع الشر أكثر من نوازع الخير.

لقد أشار “أندري كونت سبومفيل” إلى ما يشبه هذا الطرح في كتابه “مقدمات الفلسفة” حين قال: “لو أن الأخلاق هي التي تحكمنا ما كنا في حاجة إلى الشرطة أو القانون أو المحاكم أو السلاح، لن نكون في حاجة إلى دولة أو سياسة”. إن الأخلاق فردية والدين فردي أيضا، أما السياسة فهي مجتمعية.

***

إن حديث مجموعة من الأفراد باسم الدين يبتغي في العمق نشر حقيقتهم الدينية وسلطتهم الفقهية المستمدة من القرآن والسنة، ولا يعني ذلك بالضرورة أنهم يرغبون في نشر الحقيقة الدينية الصافية، وربما هذا ما جعل الريسوني يقول إن “تدخل الدين في السياسة له محاذير ومزالق مخوفة” (الريسوني2010). والغريب أننا بدأنا نسمع من ينتقد هذا الدمج حتى في صفوف المحسوبين على الإسلامويين.

فهاهو محمود المصري يخرج على غير عادته، وفي سابقة من نوعها، ليفضح زملاءه شيوخ القنوات قائلا إنهم يرتكبون من الجرائم ما لا يرتكبه مجرمو الحرب، وأنهم عملاء للسلطة، وأنهم في ذلك يلوون عنق النص القرآني لتستجيب دلالاته لرغباتهم ورغبات حكامهم.

وقبل هذا التاريخ بكثير كتب بعض خريجي الأزهر كتبا أعادوا فيها تنظيم البيت الإسلامي من جديد؛ كانت البداية مع علي عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” الذي نقب فيه عن تجليات الفصل بين الديني والسياسي في التاريخ السياسي الإسلامي، ووجد أنه نادرا ما كان هذا التاريخ يخلط الدين بالسياسة، وأن الحالات التي وقع فيها ذلك أدت إلى نتائج وخيمة جدا.

وبعد علي عبد الرازق جاء نصر حامد أبو زيد -وهو خريج الأزهر أيضا- وحطم مقاييس الإسلام التقليدية في كتابه نقد الفكر الديني، وانتقد فيه معالم الطريق التي رسمها سيد قطب والتي اعتمد في رسمها على الحاكمية.

وفي الأيام الأخيرة خرج عبد الباري الزمزمي من شرنقته ليصرح بما كان يصرح به العلمانيون منذ وجدوا في حلبة الصراع السياسي. لقد شجب الرجل مضامين بعض الفتاوى التي تضفي المشروعية السياسية على السلطة السورية من قبيل فتاوى أحمد بدر الدين حسون.

***

إن هذا النقاش يندرج في إطار ما يمكن أن نسميه بـ”الأنانية”، أي التفكير في مصلحة فردية أو جماعية، وأظن أن عمل الدولة الأكبر هو جعل الأنانية مقننة ومشتركة. إن السياسة هي تقنين طغيان علاقات القوة والصراع حول المصالح، في حين أن الدين مجال للتطهير الروحي؛ ومن ثمة فهو لا يختلف عن أشكال تعبيرية أخرى من حيث الوظيفة، ففي اليابان مثلا، يحتل الأدب مكانة مهمة تعوض غياب الدين كما يشير إلى ذلك “نوبو أكي نوتوهارا” في كتابه “العرب: وجهة نظر يابانية”.

***

إن الشرطي الذي يأخذ أموال السائقين الفقراء يعرف تمام المعرفة أن دينا ينهى عن ما أقدم عليه، وبما أن هذا النهي يتحول في آخر المطاف إلى أخلاق، قد نسميها “أخلاق المسلم”، فذلك لن يمنعه من قبض الرشاوى، لأنه يُسَخر هذه الأخلاق بشكل ما لتخدم رغباته، يقول مثلا: “لو دفع هذا السائق المسكين الغرامة المالية لدفع أكثر مما سآخذ، ولو دفعها فلن يحصل عليها سوى اللصوص الكبار، فلماذا لا آخذ منه قليلا يكون لي وله قطرة غيث؟”. إن كلام الشرطي مقنع وصادق، لكن في عيون السياسية هذا فعل شنيع يؤدي بفاعله إلى السجن. إن الشرطي المسلم في هذه الحالة تحكمت فيه الرغبة وطمست أخلاقه الدينية. وبما أنه يعرف أن سياسة بلده لا تستطيع أن تتحكم في سلوكه، فإنه لم يحجم عن قبض الرشوة من إنسان فقير. لماذا إذن لا نمكن للسياسة عوض أن نضعفها.

***

هل يستطيع الدين، ومن ثمة الأخلاق، أن يضبطا المجال الاجتماعي؟ قطعا لا، فالدين مجاله التعبد وربط العبد بسيده، وقد صدق عبد الملك بن مروان حين صرخ في قومه قائلا: “والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه”. إن علاقة الإنسان بربه أصبحت عمودية لا تحتاج إلى وسيط، وهذه الوساطة هي التي جعلت الإسلامويين كما يقول محمد سعيد العشماوي يقدمون للظلم تبريرا من الآيات ويعطون للجشع اسما من الشرعية ويضفون على الانحراف هالة من الإيمان، ويجعلون سفك الدماء ظلما وعدوانا عملا من أعمال الجهاد، وحالة العلماني أحمد عصيد أكثر من واضحة.

تغجيجت / 2013-05-09

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 11 مايو 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: