عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

التيه في تخوم البلاغة والنحــو دروس بالمجان،…

“التيه في تخوم البلاغة والنحــو ” دروس بالمجان، في البلاغة  والبيان، لصالح الشيخين: ياسيني والفزازي
 
د , محمد العمري
خاص بالموقع
تمهيد
من ردود الفعل المتشنجة التي أثارها مقالي: خطاب الكراهية والجهل في رحاب الجامعة ، مقالٌ بعنوان: أخطاء الأستاذ محمد العمري في رده على الشيخ نهاري، بتوقيع السيد سعيد ياسيني، وتحت إشراف الشيخ محمد الفزازي. وهو من ثلاث حلقات، ظهرت منه، لحد الآن (30/04/2013)، حلقتان: خُصصتِ الأولَى منهما، وهي التي تـهُمُّنا هنا، لتتبع ما توهمه الشيخان من أخطاء نحوية ولغوية في مقال العمري .  وعلى أساس تلك الأوهام وأحلام اليقظَة رتبا مجموعة من أحكام القيمة التي سنبين تهافتها بالدليل والبرهان. (ولا نحتاج أن ننبه القارئ إلى أنهما تلافيا في الجزأين المنشورين من مقالهما الرد على العيوب الثلاثة التي رصدها العمري في خطاب نهاري، وهي: السوقية وخطاب الكراهية، قلب الحقائق العلمية، اختلال النسق، ولنا عودة للتعليق على هروبهما).
ولا شك أن من قرأ ردهما سيعجب من جمعهما بين التهويل والتهوين: تهويل ما اعتبراه أخطاء (إلى درجة تجريد العمري بسببها من كل ألقابه العلمية)، وتهوين تلك الأخطاء بقولهما، في خاتمة المقال:
 “مثلُ هذه الأخطاء كثيرا ما يقع فيها (كذا) جل الكتاب بسبب سهو أو انشغال بمعنى أو جهل أو غير ذلك…”.
ونحن نقول: إن هذا التقويم الأخير الذي يتناقضُ مع ما اعتبراه ــــ أثناء المناقشة ـــــ أخطاءً صبيانية يذهبُ إلى صُلب الموضوع، ويلمس عمق المسألة. ومعنى ذلك أن ما اعتبراه أخطاءً ينتمي إلى “التوسع في اللغة” لمزية بلاغية، أو حاجة علمية عجزا عن فهمها. فهو موجود عند الكتاب والشعراء لمزايا بلاغية تغيبُ عن صغار النحاة والفقهاء، بل أكثرُه موجودٌ في القرآن الكريم، كما سيرى القارئ، وموجود في شعر الفحول، ومعتبر عند العلماء المجتهدين المجددين. وبه تنمو اللغة وتتسع قدرتُها على مواكبة الإبداع الفني والعلمي. وهو مُزعج دائما لِـ”السلفيين اللغويين” الذين يصرون على الالتزام بلغة “أعرابي” واحدٍ لم يغادر رمالَ الجزيرة العربية مرددين، على مر العصور، العبارةَ التي احتالو بها بها على أبِ النحو العربي (سيبويه): “الأعرابُ بالباب”.
ما معنى التوسع في اللغة؟
يعود مصطلح “التوسع” في اللغة إلي بداية وضع النحو العربي، حين لاحظ سيبويه ومُـجايلُوه من النحاة أن هناكَ مجموعةً من الاستعمالات اللغوية لا تستجيب للقياس الذي أرادوه عاما شاملا مطردا. وهذه الاستعمالات مما جاء في كلام الشعراء والـخُطباء، أو سمعه فصحاء العرب وأجازوه. فهم يقولون مثلا: “ترى الثورَ فيها مُدخل الظل رأسَه”. فالمرادُ مُدخلا رأسَه في الظل، إذ يستحيل إدخالُ الظل في الرأس. ومثل هذا نستعمله اليوم مع القبعات والجوارب والأحذية، دون أن نُـحس بأدنى مفارقة، فالطفل يقول: “ما بغاشْ السباطْ يدخلْ لي فرجلي”، دون الانتباه إلى أن الرجل هي التي تدخل الحذاء/السباط.
وقد توسع البحث في هذه الظواهر من خلال مجاز القرآن وغريبه، وضرورة الشعر وبديعه. ساهم فيه أبو عبيدة والفراء والسيرافي وغيرهم، ثم كان ابنُ جني، صديقُ المتنبي وشارحُ شعره، قنطرةً للانتقال من النحو إلى البلاغة، تلك القنطرة التي عبر عليها عبد القاهر الجرجاني. وقد تحدث ابن جني عن “شجاعة العربـية”، وعن تعمد الشعراء والمبدعين ركوبَ فرس اللغة بلا سرج ولا لجام، مع أنهم يعرفون أن الركوب بالسرج واللجام أسلم. وهذه الشجاعة موجودة عند الكتاب، وموجودة قبلهم عند الشعراء. هذا ما لاحظه الشيخان (في خاتمة جذبتهما) ولم يهتديا إلى تفسيره، فنسباه كلَّه إلى السهو والغلط، كما سبق. وهما معذوران في وقوفهما عند حدود الملاحظة، لأن الانتقال من الملاحظة إلى التفسير والاستنتاج هو بالضبط الفرق بين العلماء وعامة الناس. وهما في الدرس البلاغي من عامة الناس، لم أجد لأي منهما أي أثر يدل على اقتحام الخطاب البلاغي. وإليك الحجج الدامغة:
الدرس الأول
تأنيث “أيٌّ” وعطف المضافين
أ ــ تأنيث أي: استعملتُ لفظةَ “أيةُ” مرتين مضافة للمؤنت (في قولي: “ثلاثة عيوب تقصم ظهر أية جامعة”، وقولي: “دون أن يضعوا أيةَ لبنةٍ علميةً”.
ادعى الشيخان أنني أخطأت هنا، لأن “كلمة [أي] عند البلاغيين وأهل اللغة لا تؤنث أبدا حتى لو أضيفت إلى مؤنث”. (التشديد مني تنبيها للقارئ).
أقول: بيني وبينكما كتابُ الله وشعر الفحول وأقوال النحاة. ليس هناك إنصافٌ أكثرُ من هذا لمن أخلصَ وجهَه للحقيقة. قال تعالى: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ” (الفجر / 27). والتأنيث أفصحُ بعد النداء. فما معنى قولكما: “لا تؤنث أبدا”!!
وقال الكميت في هاشميته البائية الرائعة:
بأيِّ كتابٍ، أم بأيَّةِ سُنَّةٍ     تَرى حبُّهم عارًا عليَّ، وتَحسَبُ
وقال الفرزدقُ:
بأيَّةِ زنْمتيكَ تنالُ قومي      إذا بحري رأيتَ له عُبابا
وقال البحتري مذكرا ومؤنثا في بيت واحد:
رَحَلوا فأيَّةُ عَبْرَةٍ لَّمْ تُسْكَبِ   أَسَفًا وأيُّ عَزِيمَةٍ لَّمْ تُغْلَبِ
وقال المتنبي:
 
من أيّةِ الطُّرْقِ يأتي مثلَكَ الكَرَمُ     أينَ المحاجِمُ يا كافُورُ وَالجَلَمُ
وقال وداك المازني (جاهلي):
إذا استُنجِدوا لم يسألوا من دعاهمُ     لأيَّــــةِ حـــربٍ، أم بــأيِّ مكــان
وقيل في القصيدة التي ورد فيها هذا البيت أنها أحسنُ ما قيل في وصف المحاربين.
الأمثلة وافرة، ولكن أجملَها، في نظر الأصمعي، قولُ أوس ابن حجر في رثاء أخيه فُضالة، (وأوس بن حجر لمن لا يعلم، هو أستاذ زهير، بل أستاذ مدرسة الصنعة الشعرية التي تمتد من زهير إلى أبي تمام وكبار الفحول)، قال في مطلع رثائه:
أيتها النفس أجملي جزعا   إن الذي تحذرين قد وقعا
قال الأصمعي: “هذا أحسن ابتداء وقع للعرب”.
لا أستطيع، بعد كل هذه الأمثلة أن أفهم قولكما: “فكلمة [أي] عند البلاغيين وأهل اللغة لا تؤنث أبدا حتى لو أضيفت إلى مؤنث”. قولكما: أَبَـــــــــداً يُلغي كل الأمثلة التي تقدمت، ومنها آية قرآنية كريمة! هل هذه جرأة مقبولة؟
تفحصتُ أهمَّ كتب البلاغة العربية طَوالَ عقود ولم أجد صدى يُذكر لهذه “الفتوى” الغريبة!! سبحان الله! ما هذه الثقة في النفس؟! من أين جاءتكما هذه الطمأنينة غير العلمية؟ الجواب ليس عندي! الجواب تجدانه عند خالد المنصور في مناقشة مركزة للمسألة، فقد تحدث عن حالتي التذكير والتأنيث ثم أجمل الكلام قائلا:
“فأمَّا اللغةُ الأولَى، وهي لزومُ التذكيرِ، فلغةٌ لا يرتابُ في ثبوتِها. وفي ما ذكرتُ من شواهدِ ورودها في القرآنِ ما يغنِي. وأمَّا اللغة الثانية، وهي تأنيث (أيّ) إذا أريدَ بها مؤنَّثٌ، فقد أنكرَها بعضُ المتأخِّرينَ لقصورٍ في الاطِّلاعِ. وهي لغةٌ صحيحةٌ ذكرتُ بعضَ ما ينصرُها من الشواهدِ. وقد حكَاها سيبويهِ عن الخليلِ في كتابه”.
هل سمعتما ما قاله لكما؟ قال: عندكما “قصور في الاطلاع”! وهذا أقل ما يمكن قوله. أفبَعْدَ العبقريين الخليل وسيبويه كلامٌ؟ أَ بَعدَ كتاب الله، وشعرِ أوس بن حجر (إمامِ الصنعة)، والبحتري (إمامِ الطبع)، والفرزدق (قاموسِ اللغة)، والكميت (صاحب البلاغتين:الشاعرِ الخطيب)، والمتنبي (شاعر الحكمة)، أبعد كل هؤلاء كلامٌ؟! تعقَّلا، رحمكما الله! من تواضع لله رفعه. تستشهدان بتقي الدين الهلالي وتهملان الخليل وسيبويه وتقولان: “العمري هنا قلد ما اشتهر على ألسنة الناس منتهكا ما يدعيه من تخصص”. ما أَجْرَأكُما! هل أوس والكميت والفرزدق والبحتري والمتنبي من عامة الناس؟ هل بلاغة القرآن الكريم هي بلاغة عامة الناس؟!
لا أعتقد أن الشيخين سيكابران ويرفضان كلَّ الحجج السابقة، بما فيها القرآن الكريم، ومع ذلك فلا بأس من تذكيرهما ببعض ما نسياه في خضم اللجاجة والرغبة في الأذى. جاء في مقال للشيخ ياسيني نشره منذ سنة ونيف:
“فأية مصلحة ترجى من المنع والحظر ..” .
ها هو يرتكبُ “الجرم” الذي توهمه كافيا لإدانة من سماه: “الأستاذ العمري”، ها هو يؤنث “أي”!
لِـــيطمئنَّ الشيخان، فنحن نقول لهما، إحقاقاً للحق، إن تأنيثَه “أيٌّ” هنا أبلغُ من التذكير، لأن السؤال إنكاري، يقتضي التشديد. ولكن هذا الصواب الإنجازي يهدمُ قاعدة تعميم التذكير التي عممها الشيخان! فمن نصدق؟ نصدقُ المنشئَ أم المنظرَ؟! سنقلب المثل المغربي لنقول: “الخسارة فَ الرأسْ والقاعدة فَ الكراس”! وهذه علة لا دواء لها، وبها تسقط دلالة الصواب نفسه، لأنه سيكون “رَمْيَةً مِن غَيرِ رامٍ”.
أنا أستعمل “أيُّ..” و”أيةُ..” لأداء معانٍ إضافية بلاغية يدركها القراء الذين يقرؤون بعقولهم وأذواقهم، قد أختار التأنيث أو التذكير لمقابلة دلالية أو موازنة صوتية، وقد أختاره للتشديد على الكلمة: أستعمل التأنيث حين يتعلق الأمر بالنفي والتعجب، كما في الجُملتين اللتين قصمتا ظهر بلاغة الشيخين، وأستعمل التذكير حين يتعلق الأمر بالاستفهام، فتجد عندي: أي مدرسة تعني؟ وأية مدرسة هذه!! هذه أسرار حرفة ليست متاحة للجميع.
ب ــ العطف والإضافة: التشديد على الكلمات هو بالضبط ما يقع حين ألجأ، في حالات قليلة جدا، إلى الجمع بين المعطوفين كما وقع في قولي: “اللغة التي يَستعملها الخطيب عبد الله نهاري بعيدةٌ عن سُـمُوِ وسَماحة لُغة الوُعاظ والمربين”.
لم يدرك الشيخان السر البلاغي في تنازلي، في هذا الموقع وحده، عن المعيار السائر في اللغة الاستعمالية، وكيف يدركانه وهما لم يقرآ لا كتاب الموازنات الصوتية ولا البنية الصوتية، ولا الدروس الأولى في بلاغة الخطاب الإقناعي! (تكرار النفي مقصود). السر في اقتران الكلمتين (سمو وسماحة) قبل إضافتهما إلى جهة واحدة هو ما بينهما من تجانس صوتي “موقعي”  يضيع بتباعدهما، وهذا التقارب يعطي مردودية كبيرة عند الأداء: عند القراءة التعبيرية والإنشاد. هذا التركيب يطلب من المنشد بإلحاح أن يفصل بين وحدتين؛ ليُعطي كل واحدة منهما قوة الضغط التي تستحقها: “سمو وسماحة”، من جهة، و”الوعاظ والمربين”، من جهة ثانية. تأخير إحدى الصفتين (سمو وسماحة) يكسر حدة الضغط، ويجعل الوحدة الثانية عابرة وكأنها بين قوسين.
وبمثل هذا الاعتبار فَسَّر البلاغيون تقديمَ هارون على موسى (ص) في قوله تعالى: “فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى” (طه 70). فالأوْلى بالتقديم في المنطق البسيط هو النبي موسى، لأنه أعلى رتبة من أخيه هارون الذي كان في رتبة وزير. وقد تقدم فعلا في تسع آياتٍ من عَشرٍ اقترن فيها ذكرهما. هذا اجتهادي واجتهاد البلاغيين في تفسير هذا الانزياح، والله اعلم.
وهناك سبب آخر جعلني أجمع المضافين في أعمال أخرى وهو طول المضاف إليه، وكثرة حيثياته ولواحقه بشكل يجعل العودة للعطف على المضاف الأول ثقيلة ومُلبِسة. هذه الحِكِمُ لم يصل إليه الشيخان فقالا، سَددَ اللهُ بلاغتهُما:
“عطْف “سماحة” على “سموّ” ركاكة قبيحة، وتعبير معيب لا سيما ممن يدعي التخصص في البلاغة وفن الخطاب. ذلك لأن كلا من اللفظين مضاف إلى “لغة الوعاظ..”…”. وبعدها وجَّها إلي سؤالا تقريعيا: ” فهمتَ يا أستاذَ البلاغة وتحليل الخطاب؟”.
وجوابي لهما: نعم فهمتُ أنكما لم تفهما مغزى انزياحي عن ذلك المعيار. هذا المعيار حرصتُ عليه في الأعمال العلمية، غير الشعرية وغير الحجاجية ،كما يذكر طلبتي، وقد نبهني إليه، أولَ مرة، أستاذي عزت حسن، ذكره الله بخير، منذ حوالي أربعة عقود (1974)، فحرصتُ على احترامه في مكانه، كما حرصتُ على الخروج عنه حين يُـحقق الخروج مزية بلاغية. وماذا عَساني أفعلُ إذا لم يفهم الشيخان…؟! ما عليَ إذا لم يفهم الشيخان!
الدرس الثاني
تبادل حروف الجر
اقتحم الشيخان قضيةً بلاغيةً معقدةً بلا زاد معرفي ولا مرونة ذهنية. اقتحما قضيةَ “تناوبِ الحروف” واحتلالِ بعضها محل بعض. القضيةُ معقدة، لأن هذه الظاهرة البلاغية كثيرة في القرآن الكريم، وموجودةٌ أيضا في الشعر العربي القديم، في شعر الفحول. وليس من المتيسر دائما استكناهُ أسرارها، ولا من العلم الطعنُ فيها، أو اعتبارها شاذة عند من يؤمن مثلي ببلاغة القرآن وشعر الفحول من الشعراء القدماء. والنظر فيها، وفي أمثالها، هو الذي جعل بعض القدماء يقول: أَنْـحَى الناسِ مَنْ لا يُـخَطِّـئُ أحداً. أما الشيخان فما إن التبستْ عليهما ثلاثة أمثلة من كلامي، رافضةً الدخولَ في ثقب معرفتهما الشديد الضيق، حتى جَفَـلَ بَعيرهما، وقالا في شأني:
“الأستاذ البلاغي يخبط مع حروف الجر خبط عشواء”.
وقالا: “إن استعمال حروف الجر كيفما اتفق دال على ضحل المعرفة وهشاشة التكوين”.
وزادا قائلين: “ومنه ترى أن الأستاذ المدعي امتلاك ناصية البلاغة وتحليل الخطاب، حتى صار هذا الوصف عنوانا له، لا يملك من هذه البلاغة ما يؤهله ليكون أستاذا في مدرسة ابتدائية بَلْهَ باحثا أكاديميا فمصححا لأخطاء الآخرين…”.
ثم خانهما التفكير والتعبير فقالا: “فما على أستاذنا إلا أن يتعلم من إبليس في هذا المجال…”، يقصدان مجالَ البلاغة!  .
سنفحص الأمثلة التي اعترضا عليها بعدَ عرض القضية المختلف فيها نظريا وتاريخيا. وسيظهر حالُ مَن يقتدي ببلاغة القرآن الكريم، ومن يعمل عمل إبليس (أي تضليل ذوي النوايا الحسنة في قضية علمية تمس القرآن الكريم ولا تقبل العبث بوجه من الوجوه). نقول ومن الله المدد والعون:
من القضايا التي واجهها اللغويون، وهم يضعون قواعد اللغة العربية، كما واجهها المفسرون للقرآن الكريم وشراح الشعر القديم، قضيةُ “التوسع” في اللغة، حسب سيبويه، ومجازِ القرآن وغريبه، حسب عبارة أبي عبيدة، والضرورة حسب نقاد الشعر، ثم “شجاعة العربية”، حسب عبارة ابن جني. (انظر تفصيل الكلام في هذا الموضوع في الفصل الأول من القسم الأول من كتابنا: البلاغة العربية أصولها وامتداداتها). وقد استفاد المتكلمون من كثير من قضايا التوسع في رد شبه المبطلين المشككين في القرآن الكريم، حين قالوا: “وجدنا فيه اختلافا كثيراً”!. (ينظر الحديث عن الإعجاز والتنزيه في فصل كامل من الكتاب المذكور).
من قضايا التوسع استعمالُ حروف الجر (وهي من حروف المعاني) في المواضع التي لم يُؤْلَف استعمالُها فيها في الشائع من كلام العرب. فهذا الشائع الذي حاول النحاة أن يستنبطوا منه معانيَ قارةً اصطدم بالشعر العربي القديم، بل بالقرآن الكريم، فهو كثير فيه كثرة ملحوظة. فمما سجله اللغويون/البلاغيون منه قوله تعالى، تمثيلا لا حصرا:
ـــ “لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ “(طه 71). المألوف فيه: على جذوع النخل.
ـــ “عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ “، (الإنسان 6)…الخ. قالوا: الأصل “منها”.
ــ “فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ “. (الزمر 22). الأصل “عن”.
ــ “أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”.  [قريش: 4)، قالوا: الأصل “عن” جوع.
ـــ “لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”. (النساء 87). “في” يوم القيامة.
ــ “وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ”. (النساء 2). “مع” أموالهم.
ــ “مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله؟”. (الصف 14). “مع” الله.
ــ “وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ”. (البقرة 14). بــِـشياطينهم.
ــ  “الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ”. (المطففين 2). اكتالوا “من” الناس.
ــ  “يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ”.  (الشورة 25). “من” عباده.
ــ  “لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ”. (الانشقاق 19). “بعد” طبق.
ــ  “وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى”. (النجم 3). “بـِــــ”ـالهوى.
….إلخ
انقسم النحاة، في تفسير هذا الإجراء البلاغي ــ بعد الاعتراف به ـ إلى طائفتين:
طائفة قالت بجواز تناوب حروف الجر، وحلول بعضها محل بعض، لأن لكل حرف أكثر من معنى، كما هو الحال بالنسبة للمشترك اللفظي (كلمات لها أكثر من معنى). وأكثر علماء هذه الطائفة من مدرسة الكوفة، فنسب الموقف إليها، من باب التغليب .
وطائفة قالت بوجود معنىً أصليٍّ واحدٍ لكل حرف (“في” للظرفية، و”على” للاستعلاء، و”مِن” للابتداء، و”إلى” للانتهاء…الخ)، فإن دلَّ الحرفُ على غير هذا المعنى الأصلي فمعنى ذلك أن الفعل الذي عُدي به [الذي تقدمه] قد ضُمِّنَ معنى فعل آخرَ من الحقل الدلالي نفسه، وأُشْرِبَ معناه. ومن هنا جاءت تسمية هذه العملية عند البصريين ب”التضمين”، وكذا استعمالهم لفعل “أُشرِب”: أشرب الفعل معنى فعْل آخرَ.
ومن أمثلة تضمين الفعل معنى فعلٍ آخر وجعلِ حرف الجر قرينةً دالة عليه قولُه تعالى: “وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن”. فقد ضُمِّن فعلُ “أحسنَ” معنى فعل “لطَف” الذي تقترن به الباء. وقيل أيضا: أُشرِبَ فعلُ “أحسنَ” معنى “لطَف”.
والغرض البلاغي المتوخى من هذا الإشراب لا يُدركه إلا الحذاق: هو إغناءُ العبارة بمعنيين، استحضارُ الفعلين في فعل واحد . فاعتبِروا يا أولي الألباب، ولا تنظروا للقرآن الكريم من ثقب الباب، [قلت: للقرآن، بدل “إلى” القرآن لمزية بلاغية] .
ورغم تَـحَرُّجِ أغلبِ القائلين بالتضمين من الحديث عن “المجاز في الحرف”، لكون الحرف لا يَستقلُّ بمعناه، فإن التحليلات التطبيقية تضمنت الاعتراف به، وأدت إلى ظهور أصوات تُـقِـرُّه . ومن أشهر التأويلات المجازية في الحرف القولُ باستعارةِ حرف “في” للدلالة على “على” في القرآن: “لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ” (طه 71). فالمعروف المنطقي أن يكون الصَّلب على/فوق الجذوع لا في داخلها. وإنما استعيرت “في” لغرض الدلالة على التمكين الذي لا فِكاك له. وعلى هَدي تخريج الزمخشري لمجازية هذه الآية خرَّج محمد الصغير الإفراني قول الشاعر إبراهيم بن سهل:
ترَكَتْ ألحاظُه مِنْ رَمَقي   أَثرَ النَّمْلِ عَلى صُمِّ الصَّفا
وتقديره: تركت أثرا كأثر النمل. استعمل (أو استعار) “على” مكان “في” للدلالة على أنها لم تترك منه شيئا، لأن النمل لا يترك أثرا حالَ مروره على صم الصفا .
لكل من المذهبين الكوفي والبصري حيثياتُه واحتياطاتُه، فالكوفيون يعترضون بأن التأويل المجازي ليس متاحا دائما، فحين يتمكن حرفٌ في مكان حرف آخر، فيدركُه السامع دون ما حاجة إلى قرائن، يصبح استعماله عرفيا (استعارة ميتة. وقد قيل: اللغة مقبرة الاستعارات). وفي مقابل ذلك يحذر البصريون من مزالق اعتبار “التناوب” قياسيا، أي قابلا للتعميم بدون نظر للمزية التي تكمن وراءه، لأن ذلك سيؤدي إلى الشذوذ والتناقض كما سجل ابن جني. وهي الملاحظة نفسها التي جعلت نحويا كبيرا من المتأخرين (ابن هشام) يتراجع نسبيا عن حماسه لموقف الكوفيين مستعملا لفظ “قد” للتقليل: قد تنوب. قد تنوب الحروف عن بعضها عندما تكون هناك مزية بلاغية كما قال ابن جني.
  وأنا على مذهب العلماء الذين لا يفتحون الباب على مصراعيه، ولكنهم يُنوِّهونَ بالتغيير/التناوب الذي يؤدي مزية بلاغية، أو على الأقل، إذا لم تظهر المزية، لا يؤدي إلى غموض المعنى أو دلالته على النقيض، فليس من السهل دائما اكتشاف أسرار كلام البلغاء، وعدم الفهم ليس مبررا للتخطيئ.
وتحت هذه المظلة البلاغية تندرج الأمثلة الثلاثة التي بددت وقارَ الشيخين فاستنجدا بإبليس ونسبا إليه بلاغة قول رب العالمين. ونحن نتفهم محنتهما، لأن المنحى العقدي والفكري الذي ينتميان إليه خصمٌ عنيدٌ للفهم والتفهم المفتقرين للتأويل منذ القديم، بل منهم من رفضَ المجاز والاستعارة بناء على فهم سقيم لدلالتيهما.
فاستعمالنا عبارة “تَرتَّبَ عَنْه” ــــ وقد صارت شائعة عند جل الكتاب باعتراف الشيخين ـــ قائمٌ على “إشْراب” فعْل “ترتَّب” معنى فعْل “نتَج”. فالمستعمِل الحديثُ أكثرُ إحساسا بقوة فعل “نتَج” المرتبطِ بالعلم والاقتصاد، ولكنه ميال أيضا إلى استعمال فعل “رتَّب” ذي النكهة التراثية الفقهية المنطقية، يريد استعمال “خاصية” “ترتب” القادم من التراث، بدل “نتج” الرائج إلى حد الابتذال، فاستعار الحرف المناسب لنتج، وهو “عن” لِ لفعل “ترتب”، فقال: “ترتب عنه”. وقد ساعده على ذلك صيغة المطاوعة “تفعَّل”، في حين بقي الفعل “رتَّب” متعديا ب “على”: “رتَّبَ على”. وبناء عليه فإن علاقة “ترتب عنه” بِ “نتج عنه” هي نفسُها علاقةُ التراكيب القرآنية التالية:
“عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله”.(الإنسان 71). وتقديره: يرتوي بها. “وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ”. (يوسف 100)، تقديره: لطف بي. “الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ”. (البقرة 187). تقديره: الإفضاء إلى نسائكم.  …الخ.
أما استعمال “على” محل “عن” في قولي:
    “الله يَعفو علينا وعليك أسي نهاري، ويعفو على المغفلين الذين يصفقون لجهالاتك في رحاب الجامعة”.
فقد اعُتمِد أيضا لغرض بلاغي صريح، بل فاقع، غرضٍ بلاغيٍّ معروف، وهو تضمين نص من الدارجة المغربية، وحكاية تعبير المغاربة عن وضعية خاصة. وليس من العلم في شيء تطبيق قواعد اللغة العربية على هذا التنصيص. وقد حذر الجاحظ، في البيان والتبيين، من تفصيح كلام الأعراب والبدو، لأنه سيفقد بالتفصيح قيمته التعبيرية وظلاله التي لا تملكها اللغة الكتابية.
ومع ذلك تخيل الشيخان المتيقظان أنهما ضبطاني متلبسا بجُـرم استعمال “على” محل “عن” بدون موجب! فنزعا مني كل الصفات والأوسمة التي وُشِّحتُ بها على مَدى أربعين سنة من البحث البلاغي قائلين: “خطأ لا يليق بطويلب علم فضلا عن بلاغي أكاديمي… والصواب هو: “يعفو عن..”.
غير أنهما لم يلبثا أن وضعا رجليهما، بل أرجلهما في الفخ قائلين:
“من هنا يتبين لك أن أستاذنا محمد العمري يستعمل الدارجة وهو يحسب نفسه محررا نحريرا… وبمعنى آخر يستعمل الأسلوب “الزنقوي” من منبر أكاديمي… أو هكذا يتصور”.
أرادا أن يضربا عصفورين بحجر فضربا قنتي رأسيهما : أرادا أن يستدلا على أمرين بجملة واحدة (استعمال الدارجة + الخطأ في استعمال الحروف) فوقعا في التناقض! فهما كمن يقول: “أخطأ العمري في الفصحى داخل العامية”، هذا ذكاء جدير بالتأمل!!: فإما أن تكون الجملةُ “الـمتَّـهَمةُ” من الدارجة فتخضع لقواعد الدارجة، أو تكون من الفصحى فتتبع قواعد الفصحى؟!
بناء على هذا الاعتراف نشرح لهما الوجه البلاغي لاستعمال الصيغة الدارجة: المغاربة يقولون للشخص الذي يأتي فعلا مختلا، غيرَ معقول: “الله يعفو علينا وعليك…” ومقابلها في العربية، وإن كان لا يؤدي كل معانيها هو: “ما هكذا تورد الإبل!”. المغاربة لا يقصدون ما تدل عليه كلمة “عفا الله عنك..” أي سامحك، وحسب، بل يقصدون شيئا آخر نعلمه نحن البلاغيين، ولا فخر، وهو: “الله يشافيك، أو شافاك الله”. وقد شاع استعمال هذا المعنى مع المدخنين، بل فيما بين هؤلاء حيث تسمع أحدَنا يقولُ لأحدهم: “اللهْ يَعفُو عْليكْ مَنْ هادْ لَبْلِيا”!  أو أحدهم يقول للآخر: “شي وْقيدة الله يعفو عليك أَ الخاوا”!
فعبارة “عفا الله عنك” التي تريدان فرضَها على العمري لا تؤدي معنى المرض الذي قصدَ التعبير عنه… يمكن أن نُـفَصِّحَ العباراتِ الدارجة لأغراض بلاغية؛ منها السخرية، كأن نقول: “إِلْعَبا أمام منزليكما”! وهي تعريب للمثل الدارج: “لَعْبُو فمْ داركُم”!. أي لا تخوضا فيما لا تعلمانه.
إن الجملة التي عِبْتُما بلاغتها هي الجملة الوحيدة القادرة على تفريغ كل المرارة التي يحس بها المرء وهو يرى خيرة الشباب المغربي يصفقون للسوقية و”قلة الأدب” والجهل .. هنا تنفجر لغة الشعب، لغة اليومي، “محصورة” بين ظفرين كما يقول التوانسة، وذلك للتنبيه على طبيعتها غير المعيارية. ومثل هذه العبارة قولهم: “الله إِجِبْكْ عْلَى خِيرْ ألفقيهْ..”. ومعناها لقد تهتَ، وأضعت البوصلة. إن نقد الخطاب مثل ممارسة الطب يحتاج إلى ثقافة واسعة، وإلا وقع المجترئ في مثل هذه الحفرة والحفر الأخرى التي وقعتُـمَا فيها.
أما قولكما: ” وبمعنى آخر يستعمل الأسلوب “الزنقوي” من منبر أكاديمي… أو هكذا يتصور”.
فيدل على أنكما في حاجة إلى معلومة أولية “صغيرة”، وهي أن “الدارجة” لا تعني “الزنقوية”، الزنقوية عند المغاربة هي: “قلة التربية”. يقولون: “ولد الزنقة! ما مربيش!”. “الزنقوية” هي التي سماها القدماء “السوقية”، و”الحوشية” . هي لغة البالوعة ومجاري المياه،كما قال ذ. سعيد لكحل، لا فُضَّ فوهُ. أما الدارجة فتحمل الجواهر الحسان، وباقات الورود الزكية، مثل الفصحى، بل أكثر أحيانا. وقد عرفَتْ الدوارجُ فحول الشعراء/الزجالين أصحاب الحكمة وسحر البيان، أمثال ابن قزمان، وعبد الرحمن المجذوب، والطيب العلج، وأحمد لمسيح. اسمعِ الزجال يرفرف فوق أزهار البستان ناظرا بطرف عينه إلى الحسان في برزخ بين اللغتين:
“جَنَّانْ، يا جَنَّا!   إِجْنِ من البُستانْ  الياسمينْ
واتْركْ الريحــانْ    بحُرمـــــةْ الرحمـــــــانْ  للعاشقين”
واسمع المجدوب:
تْخَوضاتْ، ولاَ بغاتْ تَصْفا    والْعبْ خزْها على ماها
حكامْ عْلى غيرْ مْرتْبا    هما سبابْ خْلاها
وأسألكما بدون حرج أو إحراج: هل تعتبران نفسيكما “زنقويين” لأنكما تتحدثان الدارجة في أي مكان؟ أُنزِّهكما. وأترُك لكُما، الآن، قياسَ عُمق الحُفرة التي وقعتُما فيها، واضعاً رهن إشارتكما المعجم الذي حَلَّيْتُماني به كلَّه، لتختارا منه ما يناسب ما أوقعتما فيه نفسيكما! سيقول أحد الشيخين: “على نفسها جنَتْ براقشُ”! فمن براقش في هذه المناسبة؟
الدارجة قنطرة يقيمها الخطاب البلاغي العالـمُ (التخييلي والحجاجي) بين الفصحى والحياة، ولكنها قنطرةٌ مثل الصراط في تصور المؤمن، مثل البرزخ، لايعبرها بنجاح غيرُ أصحاب الحسنات الكثيرة. هي أداة فعالة ، مثلا، في السخرية من كل أنواع التصلب العقلي والعاطفي، وهذا ما ينشده العمري من استعمالها، والتوفيق من الله.
عن وعلى: بقي مثال ثالث، هو استعمال “على” محل “عن” في قولي: “على يمينه وعلى شماله”. وهذا من الشائع اليوم في ملتقى الدارجة والفصحى، وقد شاع لأنه لا يؤدي إلى غموض، ولا يُعبِّرُ عن غير المقصود، ولذلك فهو يدخل فيما قبلته المدرستان: البصرة والكوفة. وسيفرض نفسه في الفصحى شاء من شاء وكره من كره، لأن طبيعة الأمكنة الحديثة ــــ حيث الكراسي والمنصات والمركبات…الخ ـــــ تُعطي الانطباع بالعُلُــوِ، بخلاف ما توحي به “عن” من معاني الانزياح والاستغناء: انزاح عن، استغنى عن، ابتعد عن، رغِب عن…الخ.
وهذا شبيه بميل الناس إلى استعمال “على” بدل “في” بعد فعل “أثَّــــــر”. فقد كان هذا الاستعمالُ يُعدُّ انزياحا عن الأصل، أي مجازا، على نحوِ مَــا بَــيَّن الإفراني في تحليل بيت ابن سهل السالف الذكر. وذلك بناء على مقتضيات البيئة الأولى للغة العربية حيث يظهر الأثر حفرا في الرمل، وحين يَـمَّحِي ذلك الأثر، بفعل الرياح، يُشبَّه بالوشم. وهذه الرؤية إلى الكون والأشياء (التحيز المكاني) لم تعد مهيمنة اليوم، لأن الأثر لم يعد يعني ما كان يعنيه في تلك البيئة. الأثر اليوم موجود بالكتابة والرسم على الواجهات الزجاجية والشاشات والأوراق، وفوق الإسفلت، وليس “في” هذه السطوح: على السطوح وليس في السطوح. ولذلك لن يُقاوم حرفُ “في” المفيدُ للظرفية طويلا، مهما دافعنا عنه، إلا في المجال الوجداني حيث مازال مفهوم العمق والأعماق حاضرا: يميل الناس اليوم إلى التمييز بين نوعين من الأثر: الأثر الوجداني، حيث تسمعهم يقولون: أثر فـيه مرض ابنه…الخ، والأثر الفكري (والسياسي والديني)، حيث يقولون: أثر عليه فلان، أو أثرت عليه مرافقة فلان. والله أعلم. فهناك إذن فرق بين “أثر فيه” و”أثر عليه”. وبذلك تغتني اللغة وتصبح أكثر دقة. نحن نفرق اليوم بين “قيَّم” و”قوَّم”، وبين “أحال على” و”أحال إلى”…الخ. اللغة تسير…
الدرس الثالث
التكــــــــــــــــــــرار
قال الشيخان عن التكرار في مقال العمري:
“استعماله للنفي المكرر مجانبة (كذا) للصواب ومن غير أن تخدش ركاكة الجملة صفيحة بلاغته (كذا). فقوله: “لا علاقة لها لا بالعنصر البشري ولا بالمحتوى العقدي” فيه زيادة مشينة ل [لا] الثانية. لأن نفي العلاقة بالعنصر البشري في الجملة قد حصل ب [لا] الأولى، فليس في إعادة النفي ثانية إلا التشويه بسلامة (كذا) الخطاب وسلاسته. وهكذا قال في موضع آخر [… وترجمته لمن لا يعرف الدارجة المغربية: “ما عندي لا مؤلفات ولا أي شيء!” بئست الترجمة ياأستاذ العمري (كذا![من هو أستاذ؟!]). الصواب إذن هو [لا علاقة لها بالعنصر البشري ولا بالمحتوى العقدي] وكذلك [ما عندي مؤلفات ولا أي شيء!]  فالمؤلفات تم نفيها وجودها (كذا) بالأداة الأولى [ما] فلا داعي لنفي آخر. فإن حصل فهي الركاكة بعينها”.
هنا رَفسَ الشيخان متحفَ الخزف، وقلّبَا الحريرَ بكفين خشنين! العمل الذي قمتما به، أيها الشيخان، سامحكما الله، هو العمل الذي نقوم به مُعلمينَ لتدريب التلاميذ على اللغة المعيارية، لكي يدركوا مستقبلا قيمة الانزياحات التي يلجأ إليها البلغاء. هذا “التنقيح” صالح للتعبير العلمي المعياري في العلوم الصلبة، ولذلك فتطبيقه على خطاب حجاجي (مشوب بالتخييل) مثل مقال العمري خطيئة بلاغية، وتطفُّل على مهنة. وإليكما البيان في “سبيل الله! بلا دينار ولا درهم”:
التكرار نوعان: تكرار معيب، وتكرار بليغ.
التكرار المعيب هو الذي تتردد فيه كلمة، أو جملة، في فضاء يسمح بملاحظتها دون زيادة في المعنى، مثل قول الشيخ الفزازي : “فلا نستفتي المفتي مثلا في عدد ركعات صلاة المغرب مثلا ..”. فتكرار “مثلا” هنا حشو في اللغة الكتابية. ومن التكرار المعيب أيضا قولُ الشيخ ياسيني في رده على أحمد عصيد: ” الداعي للعلمانية أين رحل وارتحل…!!”. فَـالجمعُ بين “رحَل” و”ارتحَل” حشوٌ، والتعبير السليمُ الذي يتوخَّى الاستقصاءَ والمقابلةَ هو: “حيثما حَلَّ وارتحلَ”. والتكرار المعيب (الحشو) كثير في كلام الشيخين، وليسا في حاجة إلى شد الرحال بحثا عنه عندَ غيرهما.
أما التكرار البليغ فهو الذي يأتي لمـَغازٍ دلالية يتوخاها المبدعون: من هذه المغازي ما هو قريب يدركهُ الجميع، ومنها ما هو بعيدٌ لا يدركه إلا الحذاق. ولذلك قد تجد بعض اللغويين أو أنصاف النقاد يستعملون القلم الأحمر في كلام البلغاء: كلما وجدوا كلمتين بنفس الأصوات شطبوا الثانية منهما، كما يُفعل بإنشاء الأطفال.
ومن لم يدرك الفرق بين التكرار البليغ والتكرار الحشوي المعيب فالأكيد أنه لم يدرك بلاغة القرآن الكريم في قوله تعالى:
 “قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ،  وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ،  وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” .
إن بلاغة هذه السورة كامنة في التكرار نفسه، كامنة في إعلان القطيعة مع الكفار، قطيعة لا رجعة فيها، ولا استئناف لها.
وكيف سيَتعاملُ من سلك طريقَ التبسيطِ غيرِ العالم مع سورة القارعة، حيث اعتُمد “الإظهارُ” (التكرار) في أولها، و”الإضمارُ” في آخرها؟ الإظهار في قوله تعالى: “القَارِعَةُ! مَا الْقَارِعَةُ؟  وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ؟!..”، والإضمار في قوله بعدها: “… فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ؟!”، ولم يقل: “وما أدراك ما الهاوية”.  
فبصدد هذه السورة لا يمكن القول بأن البلاغة كامنة في الإظار والتكرار وحده، ولا في الإخفاء والإضمار وحده. البلاغة موجودة في التفاعل بين البنيتين في فضاء مدرك، فضاء سورة من القصار. تفاعل أساسة المؤالفة والمخالفة بين المكونين في إطار المحيط الضيق لكل منهما. وقد بسطنا مبدأ المؤالفة والمخالفة، والمنسق والمخلخل، في فصل التفاعل من كتابنا: تحليل الخطاب الشعري، البنية الصوتية. ومن تحدث في بلاغة كتاب الله بمنطق: “اِحْـذِفْه فقد سبق ذكره”، زلَّت به إلى الحضيض قدمه. 
من الأكيد أن الطريقة التي اتبعها الشيخان في تمزيق كلام العمري شبيهةٌ بالطريقة التي تحدث عنها نهاري حين قال: “فصلناه كَمَا يْفَصَّلْ الــﮕزارْ لَـخْـروفْ”. كان نهاري يفصل الإنسان، فلم يجد في مجال خياله ومعرفته وذوقه غير الخروف فقاسه عليه!
وعليه فإن تكرار النفي في قولي: “لا علاقة لها لا بالعنصر البشري ولا بالمحتوى العقدي”، تكرارٌ بلاغيٌّ مفيدٌ. هناك ثلاثة مستويات متدرجة في التأكيد والإحاطة المقنعة بالنسبة لهذه الجملة:
المستوى الأول: “لا علاقة لها بالعنصر البشري والمحتوى العقدي”،
والمستوى الثاني: “لا علاقة لها بالعنصر البشري ولا بالمحتوى العقدي”،
والمستوى الثالث: “لا علاقة لها لا بالعنصر البشري، ولا بالمحتوى العقدي”.
ويمكن زيادة تأكيد النفي في المستوى الثالث بعبارة: “لا من قريب ولا من بعيد…”. ويكون هذا في المواقع الحجاجية التي يراد فيها شد انتباه المستمع أو المتلقي إلى القضية أطولَ مدى ممكن، وسد أبواب التأويل أو التهوين من الأمر. وذلك حين يكون المتلقي في موقع الإنكار، أو يوضع فيه لغرض بلاغي. ولا شك أن من له معرفة أولية بالبلاغة العربية قد أدرك أنني أحيل في هذا الترتيب التصاعدي على الدرجات الثلاثة التي وضعت فيه البلاغة العربية المخاطبين:
1ــ درجةُ “خالي الذهن”، الذي يُوجَّه إليه الكلام خاليا من المؤكدات. وهذا مجال تقرير المعرفة في الكتب، أو تقديمها في الأقسام والمدرجات.
2 ـــ ودرجة “المتردد” الذي يُـؤكَّـد له الكلام ويُدعَّمُ بما يُزيل تردده، ويدفع الشكَّ الذي يُساوره،
3 ـــ ودرجة “الجاحد” الذي يُرصد له أقصى ما يمكن من المؤكدات والحجج لمحاصرته.
وكلامي في ذلك المقال كان موجها لأعتى درجات الجحود، كان يواجه أشخاصا يقلبون الحقائق العلمية، ويرمون خصومهم بالكفر والمروق من الدين جَرَّاءَ خلافات سياسية مكشوفة.
وأنا أفترض أن هذه البنية النحوية/المنطقية (بنية: ليس لا a ولا b) بنية منطقية مشتركة بين اللغات. وهي التي تَستعمل فيها الفرنسية أداة النفي ni مكررة. ففي مقام نفي رؤية شخصين يقال:
Je n’ai pas vu ni l’un ni l’autre
أي: لم أر لا هذا ولا ذاك. وفي الإنجليزية تلتقي أدوات النفي الثلاث (not… neither…nor) في جملة واحدة
I have not seen neither one nor the other
 وفي الدارجة حدث ولا حرج: “ما تصدعنى! ما شتُّ لا هو لا خوه!”. وقد سألت السيد ﮔوﮔـل عن المقابل الإسباني للجملة الفرنسية فقال:
No he visto ni una cosa ni la otra.
ورغم أني لا “أقْشعُ” من الإسبانية إلا ما “يُقشِّره” الشيخان من البلاغة فقد فهمتُ أن هناك ثلاثَ أدواتٍ للنفي في هذه الجملة: (no…ni…ni). أي الصيغة الفرنسية نفسها، وهذا يرجح أن يكون الأمر نفسه في اللغات العائدة إلى أصل لاتيني، مثل الرومانية (nu…nici…nici)، والإيطالية (non…né…né). أَرأيتما أين أقحمتُماني؟ أتمنى ألا يسخر اللسانيون ,والمناطقة من جرأتي على ميدان ليس من اختصاصي.
قضية دلالة التكرار عميقة جدا وقد تطرقنا إليها في كتابينا: الموازنات الصوتية، وتحليل الخطاب الشعري في فصل: التمفصل الدلالي والتقطيع النظمي، وأوردنا كلاما للسيميائي الروسي يوري لوتمان ينفي فيه وجود التكرار أصلا، فحين نقول: “لا، لا، لن أنساق مع الاستفزاز”، فإن “لا” الأولى تفيد النفي والثانية تفيد التأكيد، أي أنها بديل للفعل “أؤكد”.
هل فهمتما شيئا؟ العمري لا يُكرِّر، بل يؤكد المعني ويُقلِّبه على جوانبه، وتلك مزية الكتابة الجاحظية. فتح الله صدريكما لسحر بلاغة التكرار في القرآن الكريم، وفي كلام العمري فهو متشبع به، وسالك لطريقه، ولن تعيبا شيئا من كلام العمري إلا وقعتما في الحرج.
الدرس الرابع
فشل الدفاع عن “حتى”
لم يبذل الشيخان جهدا يُذكر في الدفاع عن أخطاء الخطيب نهاري النحوية، التي من أجلها ثارت ثائرتهما في الظاهر، لأنها حروقٌ من الدرجة الثالثة، لا علاجَ لها، بل برراها ببساطة الرجل، وخلطه بين الدارجة والفصحى. غير أنهما لم يطمئنا إلى هذا التبرير،  فعادا، أثناء التطبيق، ليشككا في اعتراضي على رفعه الفعلَ المضارعَ الواقعَ بعد “حتى” في قوله: “”لا تمهلُك حتى تجعلُك..”. تَوهَّـما أنه ما دامت “حتى” قد أرهقت النحاة فلا بد أن توجد ثغرة، ولو صغيرة، في كلام العمري عنها. وبعد مضْغٍ وعلْك افترَضَا أن بوسع نهاري ــ وليس بوسعهما هما ــ أن يعترض بأن “حتى”  (في قوله: “لا تمهلُك حتى تجعلُك.. “) قد ترفع المضارعَ كما رفعته في قوله تعالى: “وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ “. )البقرة 214).
قبل دحض هذه المقايسة نُعطي القارئَ فكرةً أولية عن الـمُقاس عليه، أي الآية القرآنية، فنقول: من المعلوم الممارس أن رفعَ الفعل بعدَ حتى في هذه الآية ليس مَحلَّ إجماع، بل هو قراءةٌ واحدةٌ من بين قراءات، الرفعُ هو قراءة نافع وَحْدَه.لم يُـخطِّــئْه النحاةُ، بل اجتهدوا في بيان السر الذي حدا به إلى الرفع، فمنهم من عدَّه لهجةً من اللهجات العربية، ومنهم من اجتهد في تفسيره دلاليا ومقصديا من داخل الفصحى، فاهتدي إلى ماضوية الفعل، كما تشرح الفقرة الموالية.
اعتمد اللغويون في تسويغ رواية نافع على اعتبار الواقعة الموصوفة من الماضي المنتهي: حَلَّ فيها الفعلُ المضارعُ محلَّ الماضي، حل “يقول” محل “قال”. على تقدير: وزُلزلوا حتى قال الرسول؟ على اعتبار أن ذلك وقع في الماضي. فهذا التأويل (المناسب للآية القرآنية) غيرُ ممكن في جملة نهاري الممتدة نحو المستقبل، لا يمكن أن نقول: “لا تمهلُك حتى جعلتْك”. لا يمكن ذلك إلا بتحويل الفعل الأول (تمهلُك) إلى الماضي ليصير: “لم تمهلْك حتى جعلتْك”. وهنا تغير كل شيء، ولم تصبح الواقعةُ هي الوقعةَ. لقد وَضع النحاةُ شروطا لهذا الاستثناء، وهي لا تنطبق عل قول نهاري، ولذلك فهو خطأ صريح ، إذ قياس مع وجود الفارق، كما تقولان حين يحلو لكما.
أستعيرُ هنا صيغة من صيغ المرافعات أمام المحاكم، وإن كانت حجتي دامغة، فأقول: إذالم يُعجبكما كلامُ العُمري، لأنه ليس إماما ولا شيخا، فلا مَفرَّ لكما من تَـجَـــرُّع كلامِ الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسيره، لا بأس بمرارة الدواء، قال:
“وفي قوله: “حتى يقول الرسول”، وجهان من القراءة: الرفع، والنصب. ومَن رفعَ فإنه يقول: لما كان يحسُن في موضعه”فعَل” أُبطل عمل”حتى” فيها، لأن”حتى” غير عاملة في”فعَل”، وإنما تعمل في”يفعل”، وإذا تقدمها”فعَل”، وكان الذي بعدها”يفعل”، وهو مما قد فُعل وفُرغ منه، وكان ما قبلها من الفعل غير متطاول، فالفصيح من كلام العرب حينئذ الرفع في”يفعل” وإبطال عمل”حتى” عنه، وذلك نحو قول القائل: ” قمت إلى فلان حتى أضربُه”، والرفع هو الكلام الصحيح في”أضربه”، إذا أراد: قمت إليه حتى ضربتُه، إذا كان الضرب قد كانَ وفُرغ منه، وكان القيام غيرَ متطاول المدة. فأمَّا إذا كان ما قبل”حتى” من الفعل على لفظ”فعَل” متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقضٍ، فالصحيح من الكلام نصب”يفعل”، وإعمال”حتى”، وذلك نحو قول القائل: “ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك = وجعل ينظر إليك حتى يثبتك”، فالصحيح من الكلام – الذي لا يصح غيره- النصبُ بـ “حتى””.
قال الشيخان إن نهاري رجل “بسيط”! ومع ذلك اقترحا عليه أن يعترض بما لم يعترضا به وهما “مركب”: (شيخ +شيخ = شيخين ونصف) . وأقول، في مستوى آخر من النقاش: لو صح قياسُ كلام نهاري على قراءة نافع، وأقصد ما أقول، لجاز لكل مجترئ أن ينصب اسم “إن” مَــتَـى شاء قياساً على قراءة: “إن هذان لساحران”، وهي ليست القراءةَ الوحيدةَ للآية، ولم نسمعْ بهذا بعدُ.
لقد استنتجتما، سدد الله عقليكما، من تعليقي على “حتى” في كلام نهاري أن “معلومات العمري في النحو قليلة..”، فما رأيكما في معلومات الطبري؟ معلوماتي في النحو قليلة، هذا شيء أكيد، ولكنها كافية لكشف أساليب التدليس.
لــ”حــتَّى” استعمالاتٌ كثيرةٌ سيكون من التشغيب على القارئ الخوضُ فيها في هذا السياق، الباب يُحرز، كما قال الفقهاء. نترك الاستطراد غير المفيد للحشويين الذين يخوضون في كل شيء بمناسبة أي شيء، معتقدين أن في ذلك دلالةً على اتساع المعرفة.
الدرس الخامس
كتابة أسماء الأعلام
أـــ : القرويين أم القرويون؟
مِنْ أغرب مآخذ الشيخين طلبُهما تغييرَ اسم القرويين ليصبح “القرويون”! وهذا لمجرد أنهما اكتشَفا، يا للنباهة، أنهُ في موقعِ اسمِ فعلٍ ناقصٍ (كان)، وتذكَّرا، بالمناسبة، أن أصل الكلمة هو “القيروانيون”! وربما يودان الرجوع إلى هذا الأصل، فهو ليس أبعد من العصر الجاهلي بالنسبة للسلفية التراثية!
ومع ذلك فهذه هي المسألة الوحيدة التي سأتعاطف مع الشيخين فيها، وسأوقع على أي طلب تقدمانه بشأنها حتى لا “يخرجا من العرس بلا حمص”. يا أخوي الكريمين! لقد أخطأتما العنوان! هذا الطلب تُوَجِّهانه إلى الجهة المعنية..! توجهانه إلى المجلس البلدي، إلى رئيسه السيد شباط، سيتعاطف معكما لاعتبارات موضوعية، وَجِّها طلبكما إلى وزارة الأوقاف، أو وزارة التعليم، وجِّهاه إلى السيد رئيس الحكومة.. هذا ليس شأني.
القرويين اسم جامعةٍ، اسم مدرسةٍ، اسم مسجدٍ، كلمةُ “القرويين” تُـحيل على هذا المجموع (جامعة القرويين، مدرسة القرويين، مسجد القرويين). الفاسيون يقولون: القرْويين، بدون زيادة، وبعض الفاسيات يقلن الْــأرْويِّـين. هذا اسمُ علم موقوف على تلك الصيغة، وزاد من توقيفه دخوله للحاسوب، إذا سألت الكمبيوتر عن “القرويون” فمن المفروض المتوقع أن يأخذ بيدك ويرمي بك على الضفة الشرقية لنهر سبو، أي إلى البادية حيث يعيش القرويون، إلا إذا عبث عابث بذاكرته.
ومادمتما قد اعترفتما بوجود تخريج لتلك الصيغة (عن طريق التقدير الذي سميتماه “الحكاية”) فما الداعي إلى كل تلك المماحكة؟ كراهيةُ الحشويين للتأويل والتقدير، أو عجزهم عنه لا تلزمني.
ب ــ بن حمزة، أم ابن حمزة، أم بنحمزة؟
وما قيل عن القرويين يُقال عن كتابة اسم الفقيه بن حمزة الذي عابا علي كتابته بدون ألف في قولي: “خرج بها الفقيه بن حمزة”. والواقع هو أني كتبتُه بالطريقة التي يُنطق بها في وسائل الإعلام، وفي الندوات، وعند أصدقائه ومعارفه: بَنْ حمزة. وأنا حريص على ذلك. ولم أسمع قط أحدا يدعوه: ابن حمزة. فحين يتعلق الأمر بالألقاب نلتزم بما اختاره الشخص أو أُخْتيرَ له، طابقَ الإملاءَ أم خالفه. فعندنا: ابن عبد الله، و بن عبد الله، و بنعبد الله. وعندنا: خالد، وخليد…الخ والسبب في ذلك هو الحرص على تدقيق الهويات، والاستجابة متطلبات البحت في المعاجم والموسوعات، والإليكترونيات الحديثة. وقد اعتمدتُ فعلا على ما هو شائع على الشبكة العنكبوتية، ويكفي أن تـُﮕوْﮔـلا عبارة “الفقيه بن حمزة” لتتأكدا من صواب اختياري. ومستقبلا سأحترم اختيار الفقيه الذي اطلعتُ عليه هذا اليوم في موقعه وهو: بنحمزة. إذن المشكل الآن بينكما وبين الفقيه بنحمزة: انْزَعا منه صفةَ العالم، كما نزعتماها مني، لأنه هو الآخر لم يحترم الإملاء الذي تحفظانه. بل إن عقوبة الفقيه بنحمزة ينبغي أن تكون أشدَّ، لأنه لم يشترك مع العُمري في جنحة إسقاط الألف فحسب، بل دمج الكلمتين: بن+حمزة= بنحمزة، وهذه جناية!
الدرس السادس
نسبة الجمع
الأخلاقي أم الخُلقي؟
جاءتْ في كلامي نسبةُ الأخلاق جمعا (الأخلاقي)، فأنكر الشيخان هذه النسبة، وذكَّراني بأن الصواب هو إرجاعُ الجمع إلى المفرد قبل النسبة إليه. شَكَر اللهُ مسعاهما، بالمعنى الذي قصده الثائر العربي مخاطبا مبارك وابن علي. هذه القاعدة سمعناها ونحن تلاميذ في الابتدائي حين عاب بعض أساتذتنا، من جمعية علماء سوس، نسبة مدينة طنجة، في الإعلام المغربي، إلى الدول: الدوَّلية. هذه النصيحة المشكورة في حينها غير مفيدة في هذا المقام:
قضية “الأخلاقي” شيء آخر. فالنسبة إلى المفرد في مجال الأخلاق تتجه إلى السلوك والسجايا، وما هو ذاتي وفردي، في حين أن النسبة إلى الجمع ارتقت، مع البحوث الفلسفية، إلى مستوى الاصطلاح، تتصل بالنظريات والتوجهات والقيم. وهذا ما يقصده الباحثون في الموضوع حين يقولون: “النمو الأخلاقي”، و”السلوك الأخلاقي”، و”العمر الأخلاقي”، و”الواقعية الأخلاقية”،و”الفلسفة الأخلاقية”، و”النمو الأخلاقي والتفكير الأخلاقي”، و”الأحكام الأخلاقية”، و”التربية الأخلاقية”، و”النمو العقلي والنمو الأخلاقي عند المراهقين”، و”نظرية النمو الأخلاقية”، و”المعايير الأخلاقية”. .. الخ
هذه الصيغ مأخوذة من مقالات عديدة لباحثين في علم الأخلاق والتربية والفلسفة، أنا أتبع هؤلاء في هذا الغلط إن كان غلطا. “الأخلاقي” (ومؤنثه: “الأخلاقية”) ينتمي إلى منظومة مصطلحية، إلى نسق علمي، لم يلجأ إليه المختصون إلا لمناسبته، والحاجة الماسة إليه، ولم تكن هذه المصطلحات من حاجيات الأعرابي الذي أُخِذَتْ عنهُ خميرةُ اللغة العربية. إنَّ طلبَ إعادة الخبز إلى خميرة قبل استهلاكه لا يعنيني.  
وقد ظهرت الحاجة إلى نسبة الجمع في جميع المجالات العملية والاجتماعية/السياسية، وغيرها. نكتفي بثلاثة أمثلة من ثلاثة مجالات مختلفة: أحدها من علم الشعر ونقده، والثاني من عالم السياسة والخطابة، والثالث من عالم البحث في اللغة:
1ــ فالمثال العالم قولُ أدونيس: “يحلل ابن عربي العلاقة بين المعنى والصورة، حروفيا، فيرى أن كاف الكون ظلٌّ لكلمة كن…وأن الهاء رمز للذات… والواو رمز التجلي”.(الصوفية والسوريالية153).  نسَب “الحروف” جمعا لأنه لو قال “حرفيا” لدل كلامُه على “المعنى المباشر” العرفي المقابل للمعنى المجازي، وهو لا يقصد ذلك، بل يقصد رمزية الحروف. (أتمنى ألا يستفزكما لا لفظ أدونيس، ولا ابن عربي، ولا “تكراري” للنفي في هذه الجملة، فهو مقصود).
2 ــ والمثال الجمهوري الذائع على كل الألسنة هو نسبة الجماهير (الجماهيري). فنحن نسمع القادة السياسيين والنقابيين، والمعلقين الصحفيين يقولون بدون حرج: “تجمع جماهيري ..”، و”لقاء جماهيري..” .. الخ. والسبب في استعمال هذه الصيغة أمران: أولهما، وهو الأساس، الرغبةُ في التعبير عن تنوع الفئات المشاركة في الحشد وضخامتها: جمهور العمال، وجمهور الفلاحين، وجمهور المأجورين….الخ، حين تلتقي هذه الجماهير، في فاتح ماي مثلا، يصبح اللقاء جماهيريا، وليس جمهوريا. والسبب الثاني هو انصراف معنَى جمهوري إلى معنيين آخرين: جمهوري بمعنىَ عامٍّ، وهذا معنى قديم (جمهوري وخاص)، وجمهوري نسبة إلى نظام من أنظمة الحكم، ومنه البيان الجمهوري نسبة إلى الجمهورية.
3 ــ  وإذا لم تقنعكما لا “حروفية” الشاعر أدونيس  ولا “جماهيرية” الخطيب الجماهيري فلا شك أنكما ستتوقفان كثيرا قبل رفض ما ذهب إليه علماء اللغة الذين اختاروا مصطلح “الألسنية” ترجمة للعلم الجديد linguistics/ linguistique فهي نسبة لِـجَمْع لسان. الشائع في المغرب العربي استعمالُ مصطلح “اللسانيات”، ومالَ كثير من المشارقة إلى استعمال مصطلح “الألسنية” . 
هكذا تغتني اللغة فلا تبقى لغة ذلك البدوي الفقير المعرفة، القليل الحاجات، الذي عاش في صحراء الجزيرة العربية منذ أكثر من ألف وخمسمائة سنة. الأعرابي الذي استعمله أسلافكم (في رفض التأويل فقط) لتخطيئ سيبويه، وكسر قلبه، دفنتُه أنا من زمان. اللغة العربية تحتاج إلى من يطورها لا إلى من يحنطها ويُـمتحفها. “ما طَحنوهْ حتى عْياوْ مَنْ تَغزازُو”. ومن أراد أن يستمر في “التغزاز” فذلك شأنه.  
الدرس السابع
حـــالة إعرابية
أخيراً وجدَ الشيخان خطأ إعرابيا بمعنى الكلمة!! آخر ما تراءى للشيخين من سراب الخطأ في كلام العمري ما توهماه في هذه الجملة:
 “ذكر لي أحد الطلبة أن أصحاب الزي الأزرق هم طلبةُ المدرسة المحمدية للمهندسين شبهِ العسكرية، والآخرون من مدرسة المعادن”.
زعم الشيخان، في الأول، أني عطفتُ “الآخرون” على منصوب (أصحابَ)، وحقه النصب، “الآخرين”. ثم عادا وفتحا بابا للتصويب، فقالا: “اللهم إلا أن تكون جملة “والآخرون من مدرسة المعادن” استئنافية، أي أنها ليست مما ذكر له ذلك الطالب”.
لا شك أن أي عاقل سيقول: ما دام هناك وجهٌ للرفع فما الداعي لِلَّجاجَة؟! فالمفروض في القارئ الناقد المتيقظ أن يُشغِّل برنامجا يستوعب كل الاحتمالات، ولا يخطئ الناس إلا بعد أن يسد جميع أبواب الاعتذار. وإلا رُدَّ عليه كلامه، وشُكِّك في كفاءته أو نزاهته، أو فيهما معاً. تخلَّص الشيخان من هذا التخريج بلا حجة قائلين: “وهذا غير وارد”، يقصدان محتوى ما قاله الطالب. والحال أنه سيكون غيرَ واردٍ في حالة واحدة، ووحيدة: أن يكون لديهما تسجيل مُمغنط لا يقبل الطعن بالصوت والصورة لما دار بين العمري وبين ذلك الطالب! فالمطلوب منهما الآن الإدلاءُ بشريط المحادثة! هذا هو العبث في غير محله.
المفاجأةُ غيرُ السارة بالنسبة للشيخين أكبرُ مما ذُكر، المفاجأة هي أنهما أخطآ مرتين: أخطآ في تخطيئي وأخطآ في تصويبي، أخطآ في افتراض العطف على “أصحاب”، وأخطآ في القول بالاستئناف. ولذلك فَصدقتُهما مردودة قبل أن يعودا فيها، لأنها فاسدة. كيف ذلك:
الجواب بسيط: “والآخرون” معطوفةٌ على “طلبةُ” في قول العمري: ” … أن أصحابَ الزي الأزرق هم طلبةُ…، والآخرون من مدرسة المعادن”. أي ومن ليسوا طلبة المحمدية هم طلبةُ المعادن. فــ”الآخرون” معادلٌ(ة) موقعي لِـ”طلبةُ” وليس لِـــ”أصحاب”، لأن الآخرين ليس لهم زي موحد. والتقدير بسيط: الطلبة a كذا والطلبةُ b كذا… ولو تدبر الشيخان الفاصلة بين المعطوف والمعطوف عليه، لأدركا أنها يعني “أمَّا”.
أما إذا أصرَّ الشخان على تسجيل نموذج للخطأ في العطف خطأً لا عذر فيه ولا وجه لتأويله، فما عليهما إلا أن يطلبا مني إرشادهما إليه، فهو موجود، إن لم يكن عندي فهو موجود عندهما. سيجدانه بسهولة في قول الشيخ ياسيني: “والناسُ بدونها {صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة:7] وجثثاً لا روح فيها،..” !
فهل هناك تخريجٌ، أو تفسيرٌ لنصْب “جثــثاً”، وهي معطوفةٌ على خبر مَرفوع؟ “الناس صرعَى”: الناس مبتدأٌ مرفوع بالضمة الظاهرة، وصرعى: خبر مرفوع بالضمة المقدرة. ما الذي وقع؟! قُدرت الضمةُ فضاع الشيخان، عجبا لمن يتوهم رؤية القذى في المريخ ولا يرى الخشب في عينه!
خاتمة
بعد هذه البيانات التي آمل أن تساعد العقول غير المظلمة على استجلاء أسرار اللغة العربية وطاقاتها، أوَدُّ أن أُؤكد أنني لم أدَّعِ يوما، ولن أدعي، ما دمت مالكا لزمام عقلي، أنني معصومٌ من الخطأ. بل كل أملي أن يغلب صوابي على أخطائي.
وعلى كل حال فمن الشائع القول بأن تاريخ العلم هو “تاريخ الأخطاء”، وقد أساء بعض السطحيين فَهْمَ المقصود من هذه العبارة المختزلة فقدح في العلم، ونقَّصه معتقدا أن في تنقيصه خدمةً للوحي. ولذلك أُفضِّل أن يقال: “تاريخ العلم هو تاريخ تصحيح الأخطاء”، فكل عالم يستدرك على الذي قبله ويُقوِّم اعوجاجَه. وفي كتاب الخصائص لابن جني حديثٌ عن أخطاء العلماء الكبار، كما ألف الحريري كتابا بعنوان: درة الغواص في أوهام الخواص، ذكر فيه الأخطاء التي تسربت إلى أعمال كبار العلماء. وهي ليست من نوع وضع حرف من حروف المعاني مكان حرف آخر، بل مما فوق ذلك بكثير. ولقد انتقد العلماء والفلاسفة اللاحقون أسلافَهم السابقين على مر التاريخ، انتقدوا أفلاطون وأرسطو وسيبويه وابن رشد وابن خلدون وديكارت وشومسكي وعبد العروي ومحمد عابد الجابري..الخ، وظل هؤلاء الأعلام معالم لا تمحى في طريق تطور البشرية. ودخل المدلسون مزبلة التاريخ.
مَيَّزتُ دائما في تقويمي لأعمال الناس بين الخطأ الجزئي الذي نسميه وهما وهفوة وسهوا، وبين الخطأ البنيوي، القائم في الأداة نفسها. الخطأ الجزئي هو الخطأ الإجرائي القابل للإصلاح دون هدم النسق، أو تشويشه، والخطأ البنيوي عطب في التفكير، عطب في طريقة النظر، ولذلك يستحيل ترميمه. والمهم في البحث العلمي الحرصُ على سلامة المنهج، فبسلامته يمكن تدارك الأعطاب، ومن شروط السلامة التجرد واجتناب الأهواء، فمن اتبع الهوى في مجال العلم هَوى، أي سقط. والأصولية عطب بنيوي، عطب في التفكير، ولذلك تعمى عن الحق.
الكمال لله. فإن اقتنع القارئ بما سُقته من تفسيرات فالحمد لله، وإن رأى غيرَ ذلك، كُلاًّ أو جزءاًـ فقد أقام على بينة من أمره، “إنك لا تهدي من أحببت”.
ولولا حرصي على تنوير طلبة العلم، وكشف أساليب التدليس التي قد تنطلي على عموم القراء، لما تجاوز قولي للشيخين العزيزين، ومن على شاكلتهما، ما قاله الفرزدق لنُحاة عصره: “علينا أن نقول، وعليكم أن تتأوَّلوا” .
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 2 مايو 2013 by .

الابحار