عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

مـثـقـفـونـا

مـثـقـفـونـا
 
حسن ناظم
خاص بالموقع
منذ 1988، أكّد تشومسكي وإدوارد هرمان، في كتابهما ذائعِ الصيت(صناعة القبول)، سهولةَ حَمْلِ الناس على القبول بأمر ما في الدول الدكتاتورية، وإذا كانت قضيتُهما منصبّة على تحليل مفارقة حَمْلِ الناس على القبول بأمر ما في الدول الديمقراطية، فإن مفهوم “صناعة القبول” يسلّط ضوءاً كاشفاً على كيفية حمل سلطة البعث أغلب المثقفين العراقيين على القبول إبان الثمانينيات والتسعينيات.
فكيف استطاعت سلطة البعث تحويل المثقفين العراقيين إلى “رعاع” تهندس لهم رأياً وتحملهم على قبوله؟
 إن حاجة السلطة لرعاية الثقافة كانت ستراتيجية جديدة رافقت مجيء البعث إلى السلطة. فالثقافة التي تخلق خطاباً معقلناً، صارت الدولة تتلقّفه وترعاه من البداية، ثمّ تموّله وتوجّهه، بعد ذلك تلقي به إلى إعلامها الرسمي، ومؤسساتها الثقافية الحكومية من أجل نشره وانتشاره.
الانتشار والبثّ عبر الصحافة والتلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى، وعقد الندوات والمهرجانات والمؤتمرات، كلها تحوّل الخطاب المعقلن للمثقفين إلى مزاج عام.
يقوم هذا المزاج العام بالتمهيد للهيمنة والاستعباد، فهو نمط حديث من الاستعباد الطوعي حيث يوافق المرء بملء إرادته ومحضها على الانقياد من دون تفكير أو تدبير.
تريد السلطة بذلك أن تكتسب الشرعية من خلال المثقفين، ويريد المثقفون اكتساب المقبولية لأفكارهم من خلال السلطة، ويرتبط المثقف العراقي، والعربي في الواقع، بالسلطة من خلال مؤسساتها التربوية والإعلامية، مثلما كان أسلافُه القدامى، الأجداد، يرتبطون بالدولة عبر مؤسساتها آنذاك. ومثلما كان من النادر أن تنتج الثقافة العربية القديمة مؤسساتٍ معرفيةً مستقلة، لم تنجح الثقافة العربية الحديثة في إنتاج معارف مستقلة عبر مراكز بحوث أو مؤسسات ثقافية مستقلة، فصار مركز البحث كالجامع في أيام نشأة الدولة العربية الإسلامية  يقع تحت دائرة إشراف الدولة ورعايتها.
كان غرامشي، في كتابه (دفاتر السجن)، يدعو إلى مثقّف منخرط في واقعه، “مثقف عضوي” يغيّر الواقع، وكان جوليان بندا، في كتابه (خيانة المثقفين)، يدعو إلى مثقّف منزّه من الغايات والأهواء الشخصية، مثقف بلا مصالح شخصية “مثقّف طوباوي”، وكان إدوارد سعيد، في كتابه (صور المثقف)، يحاول أن يهيّئ مثقّفاً لا يكون عضوياً ولا يكون طوباوياً، بل محافظ على استقلاليته.
أما علي حرب، في كتابه (أوهام النخبة أو نقد المثقف)، فيحاول أن يتخطى ثنائية المثقف والسلطة، لأنها باتت غير مجدية، وتحرفه عن هدفه في نقد المثقّف نفسه، نقد يوجّهه مثقّف، ولذلك فنقد علي حرب للمثقّف هو “نقد ذاتي” من نوع ما، يسائل فيه مهمات المثقّف وأدواره باعتبار أن الورطة التي وجد فيها المثقفُ فيها نفسَه ليس في علاقته مع السلطة أو واقعه، بل مع أفكاره هو نفسه.
لكن مثقفينا لم يكونوا لا واقعيين ولا طوباويين ولا مستقلين، دع عنك أنهم لم يراجعوا أفكارهم. أفترض أن انهيار دور الثقافة الحرّة بالعراق إبان حقبة البعث كان أمراً لازماً، وأفترض أن التراجع الثقافي بالعراق كان يسيرُ يداً بيد مع الانهيار الاقتصادي والاستبداد السياسي والعنف والخوف؛ فكلّ ثقافة تتأدلج بأيديولوجيا واحدة ذات أهداف واحدة هي ثقافة بلا دور. الآن، وقد بات فشلُ المشروع الأيديولوجي العراقي، والعربي إجمالاً، أمراً جلياً، أصبح من اللازم البحث في نقد الثقافة التي أرستْ دعائمَ تلك الأيديولوجيا ومن ثمّ مكّنت السلطةَ من البدء بذلك المشروع الفاشل. وهذه خطوة مهمة في طريق طويل هدفُه الأخير وصف المأزق الذي حاقَ بالمثقف وهو يرافق السلطة في مشاريعها الأيديولوجية الفاشلة.
أعظمُ عملٍ يمكن أن تقوم به ثقافةٌ ما هو أن تبرهن على قدرتها على فصل نفسها عن السلطة وإكراهاتها. هذه القدرة على الفصل بين هذين المكوّنين عادة ما يرافقها عناءٌ هو حلقة في سلسلة عناء المثقف الأصيل وهو يواجه الأفكارَ السائدة والأنظمة القسرية. فهل حاولت الثقافة العراقية خاصة والعربية عامة مواجهة السلطة من خلال مواجهة الأفكار السائدة؟ وهل تكمن الثقافة الحقيقية في إقامة مشروع لبناء ثقافة تؤسس قيماً جديدة في مواجهة قيم بالية؟ وهل تمثّل السلطة القيم البالية في هذا الصراع؟ وإلى أيّ مدى نَأَتْ الثقافةُ بنفسها عن السلطة وقيمها وقسرها وأنظمتها الأيديولوجية؟
إن “الثقافة السائدة” هي الثقافة التي تتولى السلطةُ تأسيسَها ورعايتها وتوجيهها في سعي إلى بناء أسس ثقافية تبرّر اتجاهاتها السياسية مهما كانت.
من هنا حرصت السلطة السياسية على خلق هذا التوازي بين الأيديولوجيا السياسية السائدة والثقافة التي ستصبح عاجلاً سائدة هي الأخرى عبر مماهاتها بالسلطة. لن يعني الوصف السابق أكثر من بناء إطار واحد لكلّ من السلطة والثقافة يتعانقان فيه. لكن الأثرَ الضارّ لن يلحقَ السلطة بمثل ما يلحق الثقافة، في الواقع تحققُ السلطةُ المنفعةَ فقط من هذه العلاقة بالثقافة، فكلما اشتدّ ارتباط هذه الأخيرة بالسلطة تعززت السلطة، والثمن الذي تدفعه الثقافة في مثل هذا الوضع هو تضحيتها باستقلالها، وتضييق رؤاها، واندراجها في السائد من الفعاليات؛ أي تحوّلها إلى أداة بيد السلطة تضرب بها الخصوم. إذ تتحول الأفكار التي تنتجها الثقافة إلى تبريرات أيديولوجية يقف على قمة هرمها مثقف يتحول في الأخير إلى “قائد” أيديولوجي، تبريري، ضيّق الأفق، مدافع فكرياً عن السائد.
ألفى مثقفونا أنفسهم يقدّمون خدمات استشارية للحاكم ويروّجون أفكارَه ويبرّرون أخطاءَه وجرائمه.
إذ لم تؤثر ولادة الدولة الحديثة في وظيفة المثقف تأثيراً كبيراً، حيث ظلّت نشاطاته المتعددة، واستخدامه التكنولوجيا ووسائل الإعلام تحت رعاية الدولة. ولدينا نماذج من الدولة الحديثة مثل مصر عبد الناصر وعراق البعث وسوريا، تلك الدول التي تحكّمت بها الانقلابات العسكرية وانتهت أمور المثقف فيها إلى أن يلتحق بالدولة قسراً أو طوعاً ضمن مشروع ضخم حاولت فيه هذه الدول أن تصوغَ نظام الثقافة على وفق منهج وأيديولوجيا محددة.
وعلى سبيل المثال، لا يبدو كافياً ربط الفيلسوف اللبناني علي حرب بين ازدهار مهنة المثقف في العالم العربي وهيمنة “العقلية النضالية على الساحات الثقافية وعلى المعنيين بشؤون الفكر والمعرفة”. فهو بهذا الربط يفسّر فشل الثقافة العربية ويدعو إلى نقد المثقف أولاً ونخبويته المزعومة، وهو يدعو إلى وضع “نهاية” للمثقف، وإلى ابتكار مهمة جديدة له تعيد صياغة دوره وعلاقته بالقيم الأساسية، قيم الحرية والعدالة، وعلاقته بالعمل السياسي والاجتماعي. وهو يربط بين ازدهار مهنة المثقف في العالم العربي وهيمنة “العقلية النضالية على الساحات الثقافية وعلى المعنيين بشؤون الفكر والمعرفة” (أوهام النخبة أو نقد المثقف، ص10). بهذا الربط يفسر علي حرب فشل الثقافة العربية ويدعو إلى نقد المثقف أولاً ونخبويته المزعومة، وهو يدعو إلى وضع “نهاية” للمثقف، وإلى ابتكار مهمة جديدة له تعيد صياغة دوره وعلاقته بالقيم الأساسية، قيم الحرية والعدالة، وعلاقته بالعمل السياسي والاجتماعي.
لكن القضية بالنسبة لي أبعد من هذا التحليل، إنها مسألة الجذور التاريخية البعيدة التي صاغت علاقة السلطة بالثقافة منذ قيام الدولة العربية الإسلامية في شكلها الإمبراطوري، أيام الدولتين الأموية والعباسية. فثمة نظام من الماضي مضمر وهيكل خفيّ يقود فعالية المثقف العربي مع السلطة والمجتمع. وهو الذي يفسّر أيضاً الإخفاق والفشل في المشاريع الفكرية العربية التي وضعت علاقتها بالسلطة محدداً أساسياً لرؤيتها الفكرية. هذا النظام يقوم على استمرارية وجود بنى النظام القديم في ثنايا بنى الثقافة الحديثة.
إن مثقفينا دخلوا مشروعاً منذ السبعينيات، حين شرعت الدكتاتورية بالعراق بربط المثقف، ليس فقط بمنظومة القيم الأيديولوجية التي تدعو لها، بل بمنظومة السلطة نفسها من خلال منحِه منصباً فيها.
قبل ذلك، كان المثقفون يندرجون في أيديولوجيات أحزابهم، ويعملون ضمن سياق ثقافي غير مرتبط بمواقع قيادية في الحكومة ضرورة، إلا في حالات كانت الأحزاب التي ينتمي إليها المثقف تفوز بالحكومة، وتشعر بحاجتها إلى مثقفيها لتسنّم بعض المواقع. والآن بعد فناء ذلك المشروع، لعلهم ما زالوا يدخلون مشاريعَ أخرى في دور وتسلسل لا ينتهي.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 18 أبريل 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: