عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

حسيبك للأمل

حسيبك للأمل
 
سمية رمضان
تقول الأسطورة الإغريقة إن زيوس كبير الآلهة غضب غضباً شديداً يوم علم أن «بروميثيوس» نجح فى سرقة النار من السماء، وقرر عقابه. كان عقاباً غريباً فقد أهدى كبير الآلهة أخا «بروميثيوس»، واسمه «إبيميثيوس» زوجة غاية فى الذكاء وطلاقة اللسان اسمها «باندورا»، وكهدية للزواج أعطاها صندوقاً بديع الصنع، وأوصاها ألا تفتحه أبداً تحت أى ظرف من الظروف، لكن، ولأن كبير الآلهة قد أنعم على «باندورا» كذلك بنعمة الفضول اللامتناهى، كان يعلم أن الفتاة لن تطيق صبراً على الصندوق المغلق، وبالفعل فتحت «باندورا» الصندوق وتطايرت منه كل الشرور، التى لم يكن يعرفها العالم حتى ذلك الحين، لكن الفتاة وجلت لما أدركت فعلتها، فأسرعت بغلق الصندوق على الشىء الوحيد، الذى تبقى فيه، وكان يكمن فى القاع. كان هذا الشىء هو الأمل، وحتى اليوم يشير الناس إلى صندوق «باندورا» إذا أرادوا وصف عمل يبدو بريئاً، وغير ذى بال، ولكن تنتج عنه عواقب وخيمة.
والأمل هو أبوالفعل المكتمل وأمه. فنحن لا يمكننا القيام على فعل دون أن يكون هناك «هدف»، وذلك لأن الهدف لا يمكن أن يتحقق دون «فعل» والفعل يحتاج لإرادة، والإرادة تبدأ بالتفكير، وكل هذا لا يكتمل فى تلك السلسة المعروفة دون حافز على الاستمرار، وهذا الحافز هو الأمل.
الأمل يزرع فى أذهاننا عندما نصوغ هدفاً بعينه تؤججه إرادتنا من خلال وضع خطة للحصول على هذا الهدف. كما أن الأمل يتدخل لإنقاذنا، وحثنا على المواصلة عندما تتأزم الأمور، أو تبدو غير واضحة. عندها يساعدنا الأمل فى تبديد المخاوف واليأس. لكنه، وربما كانت تلك هى أهم سماته على الإطلاق، يطلق العنان لخيالنا ويساعدنا على تحمل الصعاب، التى تواجهنا على الطريق، ويوحى لنا بحلول إبداعية مبتكرة، ولأنه بمثابة الوعد، فإن القادة العظماء هم فى نهاية الأمر «تجار للأمل»، وهو ما يشاع أن نابليون بونابرت قاله عن حرفة القيادة.
هنا يتوجب علينا تأكيد أن «التفاؤل» و«الأمل» ليسا صنوان بأى حال؛ فالتفاؤل لا يعتمد على هدف أو إرادة، وبالتالى ليست له خارطة طريق. وإنما هو حالة غيبية أو سمة من سمات الشخصية، وعكسها «التشاؤم»، والاثنان يحيلان إلى التطير، وربما أيضاً التعلق بالخرافة من باب درء القلق الوجودى على نحو بدائى. أما عكس «الأمل» فهو «اليأس»، وكلاهما، الأمل واليأس، يعتمد فى وجوده على الحيز الملموس.
العجيب فى لغتنا قدرتها المبهرة على الإيجاز كما نعلم، لكن الأغرب أنها فى حالات كثيرة تختصر مفاهيم عميقة تدعو للتفكر من خلال كلمة واحدة، فالأمل فى العربية له نفس حروف «الألم»، وهو ما يدعو «لتأمل» علاقة الاثنين. هى علاقة مركبة نوعاً تبعدنا عن قصة صندوق «باندورا»، وتدخلنا حيزاً يوجب علينا تقبل «الألم»، وإدراك وجوده، ومن ثم تعزيز الفضول لإيجاد المخارج الإبداعية المبتكرة، التى يغذيها ذلك المفهوم، الذى يأبى التسليم لليأس، ولا يعترف بالتشاؤم، أو حتى التفاؤل بوصفهما أموراً لا تتطلب أخذ معطيات الواقع فى الحسبان.
والأمل وهو واحد من أركان العقيدة المسيحية، يقف جنباً إلى جنب مع الإيمان والمحبة، ويرمز له فى صورة الحمامة البيضاء، التى حطت على كتف السيد المسيح عليه السلام، وهو يعمد فى نهر الأردن، ولكن من رموزه أيضا «هلب» السفينة عندما يسقط فى يد الربان، ولا يدرى له وجهة.
ترى لو أراد أحدنا تحية الآخر هل يقول أترككم على «هلب» ومشتقاتها «هبل» و«بله» أم أترككم على أمل؟
somayaramadan@yahoo.com
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 13 أبريل 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: