عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

ما هو الاستبداد؟ أ د…

ما هو الاستبداد؟                  
 
أ.د.أحمد التل        
ورد في كتاب “طبائع الاستبداد” لمؤلفه عبدالرحمن الكواكبي أن الاستبداد لغة هو غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة، ويراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصة لأنها مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة. وأما تحكم النفس على العقل، وتحكم الأب والأستاذ والزوج، ورؤساء بعض الأديان، وبعض الشركات، وبعض الطبقات، فيوصف بالاستبداد مجازاً أو مع الإضافة.
الاستبداد في اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، وقد تطرأ مزيدات على هذا المعنى الاصطلاحي فيستعملون في مقام كلمة (استبداد) كلمات: استعباد، واعتساف، وتسلط، وتحكم. وفي مقابلتها كلمات: مساواة، وحس مشترك، وتكافؤ، وسلطة عامة. ويستعملون في مقام صفة (مستبد) كلمات: جبار، وطاغية، وحاكم بأمره، وحاكم مطلق. وفي مقابلة (حكومة مستبدة) كلمات: عادلة، ومسؤولة، ومقيدة، ودستورية. ويستعملون في مقام وصف الرعية (المستبد عليهم) كلمات: أسرى، ومستصغرين، وبؤساء، ومستنبتين، وفي مقابلتها: أحرار، وأباة، وأحياء، وأعزاء.
هذا تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلات، وأما تعريفه بالوصف فهو أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين. وتفسير ذلك هو كون الحكومة إما هي غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة، أو على أمثلة تقليدية، أو على إرادة الأمة، وهذه حالة الحكومات المطلقة. أو هي مقيدة بنوع من ذلك لكنها تملك بنفوذها إبطال قوة القيد بما تهوى، وهذه حالة أكثر الحكومات التي تسمي نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية.
وأشكال الحكومة المستبدة كثيرة ليس هذا البحث محل تفصيلها. ويكفي هنا الإشارة إلى أن صفة الاستبداد، كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، تشمل – أيضاً الحاكم الفرد المقيد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخباً لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد وإنما قد يعدله الاختلاف نوعاً، وقد يكون عند الاتفاق أضر من استبداد الفرد. ويشمل أيضاً الحكومة الدستورية المفرقة بالكلية قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن القوة المراقبة، لأن الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية فيكون المنفذون مسؤولين لدى المشرعين، وهؤلاء مسؤولين لدى الأمة، تلك الأمة التي تعرف أنها صاحبة الشأن كله وتعرف أن تراقب وأن تتقاضى الحساب.
ويرى الكواكبي أن أشد مراتب الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية. ولنا أن نقول كلما قل وصف من هذه الأوصاف خف الاستبداد إلى أن ينتهي بالحاكم المنتخب المؤقت مسؤول فعلاً. وكذلك يخف الاستبداد طبعاً كلما قَلَّ عدد نفوس الرعية وقَلَّ الارتباط بالأملاك الثابتة وقل التفاوت في الثروة وكلما ترقى الشعب في المعارف.
إن الحكومة من أي نوع كانت لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والاحتساب الذي لا تسامح فيه كما جرى في صدر الإسلام فيما نقم على عثمان ثم على عليّ رضي الله عنهما، وكما جرى في عهد هذه الجمهورية الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر الحاضرة في فرنسا في مسائل النياشين وبناما ودريفوس.
ومن الأمور المقررة طبيعةً وتاريخياً أنه ما من حكومة عادلة تأمن المسؤولية والمؤاخذة بسبب غفلة الأمة أو التمكن من إغفالها إلا وتسارع إلى التلبس بصفة الاستبداد، وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين جهالة الأمة، والجنود المنظمة. وهما أكبر مصائب الأمم وأهم معائب الإنسانية، وقد تخلصت الأمم المتمدنة نوعاً من الجهالة، ولكن بليت بشدة الجندية الجبرية العمومية، تلك الشدة التي جعلتها أشقى حياة من الأمم الجاهلة وألصق عاراً بالإنسانية من أقبح أشكال الاستبداد، حتى ربما يصح أن يقال إن مخترع هذه الجندية إذا كان هو الشيطان فقد انتقم من آدم في أولاده أعظم ما يمكنه أن ينتقم! نعم إذا ما دامت هذه الجندية التي مضى عليها نحو قرنين إلى قرن آخر أيضاً تنهك تجلد الأمم وتجعلها تسقط دفعة واحدة. ومن يدري كم يتعجب رجال الاستقبال من ترقي العلوم في هذا العصر ترقياً مقروناً باشتداد هذه المصيبة التي لا تترك محلاً لاستغراب إطاعة المصريين للفراعنة في بناء الأهرامات سخرة، لأن تلك لا تتجاوز التعب وضياع الأوقات، وأما الجندية فتفسد أخلاق الأمة حيث تعلمها الشراسة والطاعة العمياء والاتكال، وتميت النشاط وفكرة الاستقلال، وتكلف الأمة الإنفاق الذي لا يطاق، وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم: استبداد الحكومات القائد لتلك القوة من جهة، واستبداد الأمم بعضها على بعض من جهة أخرى.
الناظر في أحوال الأمم يرى أن المأسورين الخائفين يعيشون متلاصقين متراكمين، يتحفظ بعضهم ببعض من سطوة الاستبداد كالغنم تلتفت على بعضها إذا ذعرها الذئب، أما العشائر والأمم الحرة المالك أفرادُها الاستقلال الناجز فيعيشون متفرقين.
ويرى الكواكبي أن بعض الحكماء لا سيما المتأخرون منهم تكلموا في وصف الاستبداد ودوائه بجمل بليغة بديعة تصور في الأذهان شقاء الإنسان كأنها تقول له هذا عدوك فانظر ماذا تصنع، ومن هذه الجمل قولهم:
“المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته”.
“المستبد عدو الحق، عدو الحرية وقاتلهما”.
“”المستبد يتجاوز الحد ما لم ير حاجزاً من حديد، فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظلم كما يقال: الاستعداد للحرب يمنع الحرب”.
“المستبد إنسان مستعد بالطبع للشر وبالإلجاء للخير، فعلى الرعية أن تعرف ما هو الخير وما هو الشر فتلجئ حاكمها للخير رغم طبعه، وقد يكفي الإلجاء مجرد الطلب إذا علم الحاكم أن وراء القول فعلاً. ومن المعلوم أن مجرد الاستعداد للفعل يكفي شرّ الاستبداد”.
“المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم دراً وطاعة، وكالكلاب تذبلاً وتملقاً، وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدِمَتْ خَدَمَتْ، وإن ضُرِبَتْ شَرِسَتْ، وعليها أن تكون كالصقور لا تُلاعب ولا يُستأثر عليها بالصيد كله، خلافاً للكلاب التي لا فرق عندها أُطعمت أو حُرمت حتى من العظام. نعم على الرعية أن تعرف مقامها هل خلقت خادمة لحاكمها، تطيعه إن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف، أم هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها!. والرعية العاقلة تقيد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها لتأمن من بطشه فإن شمخ هزت به الزمام وإن صال ربطته”.
الاستبداد أعظم بلاء، يتعجل الله به الانتقام من عباده الخاملين ولا يرفعه عنهم حتى يتوبوا توبة الأنفة. نعم، الاستبداد أعظم بلاء لأنه وباء دائم بالفتن وجدب مستمر بتعطيل الأعمال، وحريق متواصل بالسلب والغصب، وسيل جارف للعمران، وخوف يقطع القلوب، وظلام يعمي الأبصار، وألم لا يفتر، وصائل لا يرحم، وقصة سوء لا تنتهي.
يعتبر كتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” للمفكر العربي الكبير عبد الرحمن الكواكبي، الذي ولد عام 1854م في مدينة حلب، من أهم الكتب الفكرية في العصر الحديث التي تعرضت لموضوع السلطة وعلاقة الاستبداد بتقدم الأمم أو تخلفها، ومهدت للثورات العربية التي انفجرت في عام 2011 وما زالت مستمرة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية والعراق حتى اليوم (شباط 2013)، فقد ثارت الشعوب العربية للتخلص من الاستبداد والاستعباد وجميع أنواع الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتحقيق الحرية والكرامة والعدالة والمساواة وأنظمة ديمقراطية حقيقية. ولو أتيحت الفرصة لعبد الرحمن الكواكبي أن يُبعث من قبره هذه الأيام ويشهد ما حدث ويحدث للشعب السوري ولمدينة حلب بالذات على يد الرئيس بشار الأسد لطلب من ربه أن يعيده إلى قبره.
a.altal@alarabalyawm.net
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 7 مارس 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: