عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

من شكري بلعيد..إلى المعري وطه حسين

من شكري بلعيد..إلى المعري وطه حسين
كتب : عريب الرنتاوي
خاص بالموقع
في تونس: لم يكتف “الظلاميون” بقتل شكري بلعيد، بل هددوا بتدنيس مثواه الأخير..وآخر أفعالهم الشنعاء، تدمير تمثال خاص بالراحل، أقيم لتكريمه وتخليد ذكراه وتعبيراً عن الرفض الشديد للهجمة الهمجية..الظلاميون الذين أرادوا إطفاء روح بلعيد الوثّابة، وقتل فكره التنويري الحداثي، أشعلوا من حيث لا يريدون ولا يدرون، مليون شمعة في عقول وقلوب شباب تونس وشاباتها، والمؤكد أن المستقبل لن يكون للمتحدرين حديثاً من الكهوف.
في معرة النعمان، قضى الظلاميون أياماً في شحذ سيوفهم، بانتظار لحظة الانقضاض على رأس شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، أبو العلاء المعري، ابن المدينة السورية الجميلة، التي أشاع المجرمون في جنباتهم، مظاهر القتل والأشلاء والدمار والخراب، وأرادوا أن يستأصلوها من التاريخ باستئصال تمثال الرجل، الذي منح المدينة، بل وسوريا والمشرق، بعضاً من إرثه وذائقته ولونه.
وأعترف، بأن إحساساً شخصياً بالخسارة قد أصابني وأنا أقرأ فَزِعاً هذا الخبر، كيف ولا وقد تشربت قصائد الرجل في سنّ مبكرة، على يد ولسان الوالد يرحمه الله، الذي لم يتأثر بشاعر أو فيلسوف مثلما تأثر بأبي العلاء، ولم يحفظ لشاعر عربي مثلما حفظ للمعري.
في المنيا، وعلى مقربة من النيل العظيم، كان فقهاء الظلام يتحينون الفرص للانقضاض على قامة فكرية وأدبية سامقة، أحد أهم رموز الحداثة العربية، طه حسين ابن المدينة والمحافظة..حيث استفاق الأهلون، ليجدوا أن مدينتهم قد فقدت روحها، وأضاعت قبلتها وقبلة السائحين إليها..ودائماً تحت جنح فكر ظلامي تكفيري، يعرف كيف يشيع القتل والخراب والكراهية، ولم ينجح في بناء مدماك واحد في صرح حضارتنا وثقافتنا ومقاومتنا وتقدمنا.
وما أن سمعت الخبر، حتى قفزت إلى ذاكرتي، أول تجربة في مجال “البحث والدراسة والنشر”، عندما نجحت في جمع كوكبة من خيرة العقول العربية، حول “مشروع عيبال للدراسات والنشر”، وأصدرنا كتاباً دورياً حمل اسم “قضايا وشهادات”، خصصنا العدد الأول منه، لطه حسين، أو مدرسة العقلانية والحداثة والتنوير، بمبادرة من كل سعد الله ونوس وفيصل دراج وجابر عصفور وعبد الرحمن منيف وإسهام نشط من لدنهم.
في تونس، كما في مصر وغيرها من دول العالمين العربي والإسلامي، جعل الظلاميون من مراقد الأئمة والصالحين والأولياء، هدفا لسيوفهم وعبواتهم الناسفة، بدعوى التوحيد، والواحد منهم براء..وقبلها فعلوا شيئاً منكراً في “باميان” والهند والباكستان، وفي كل مكان حلّوا فيه وارتحلوا.
واقترح أن تتبه دولنا ومجتعاتنا لما ينوي هؤلاء فعله في البقية الباقية من إرثنا الفكري والأدبي والثقافي والروحي..اقترح أن نحذو حذو تونس، فنسيّر الدوريات الراجلة والمؤللة، دفاعاً عن تماثيل عظمائنا وما تركه لنا الأباء والأجداد المؤسسون، وما خلفته على أرضنا، أمم وحضارات سادت ثم بادت.
اقترح أن ترابط وحدات من الجيش المصري حول تمثال أبي الهول، وأن نصطف طوابير للدفاع عن “البتراء”..وأن ينهض العراقيون لحماية كنوز “ما بين النهرين”..وأن يتحول الصوفيّون منا إلى “ميليشيات مسلحة” ذوداً عن الأضرحة والمزارات والمقامات..فالخطر داهم، وهؤلاء الذي لم يكرم الله وجوههم بقتل جندي إسرائيلي واحد، يعلنون النفير العام، ضد إرثنا وثقافتنا وذاكرتنا
أصدقكم القول، أن صوراً من فيلم “فهرنهايت 451” تداعت إلى مخيلتي وأنا أتابع أخبار هذه الاعتداءات الآثمة..صورٌ تحكي عن مجتمع يخضع لنظام شمولي عبر جهاز التلفاز، وتقوم فرق فاشية سوداء، بالبحث عن الكتب – كل الكتب – لحرقها، و451 هي درجة الحرارة الكافية لحرق أي كتاب على أية حال، مهما كان حجمه أو نوعية المادة المصنوع منها..أما الرد فيأتي من فرقة طليعية، تقرر تكليف كل فرد منها بحفظ كتاب على ظهر قلب، حتى لا يضيع تراث الإنسانية وفكرها، وهكذا كان، صار كل واحد منهم، يحمل اسم الكتاب الذي يحفظه غيباً..قضى النظام وانصرف، وظلت التراث الإنساني حياً في عقول وصدور وقلوب من قرروا حفظه وتوريثه للأجيال التالية من الإنسانية.
وربما نفعتني الكتابة، أحياناً، في استمرار العيش  
ـ برغم أنني لم أكن أتوق له،
ولم أكن أرغب في أن أعيش مهزوماً وعاجزاً.
ما خفف عن كاهلي كلَّ تلك الأثقال محاولاتي الأولى للتعبير عن كبت وغضب وقهر مكبوت. وفي ما بعد، صارت الكتابة كأنها علاج أتطبب به. لذا، ربما أكون ممن يكتبون لكي يتطببوا لا لكي يؤثروا في الآخرين.
ماذا بقي؟
هل من جدوى للكتابة؟ هل من فائدة لها؟
مؤكد أن لها نفعاً؛
فماذا لو لم أكن أتقن اللعب بالحروف، وكنت أملك كل هذا المخزون من القهر والغضب والسخط؟ كان يمكن أن أصبح مجنوناً حقيقياً يدور في الشوارع، وهو يصرخ ـ بأعلى صوته ـ للتعبير عن شيء لا يفهمه.
من هنا، أظن أن المجانين لم ينجحوا في إيجاد مسرب واضح للتعبير عن جنونهم؛
فانفجرت أدمغتهم، وفقدوا سيطرتهم على تصرفاتهم.
لله الحمد، إذا، أنّ الكتابة منعتني من نعمة الجنون الطبيعي.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 22 فبراير 2013 by .

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: