عزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للرجوع للموقع الحالي أنقرعلى زر الرجوع للصفحة الرئيسية

ظاهرة الشغب المدرسي من المسؤول ومن الضحية؟  …

ظاهرة الشغب المدرسي.. من المسؤول ومن الضحية؟
 
إسماعيل لعرايسي
خاص بالموقع
كثر الحديث مؤخرا عن الشغب المدرسي، كظاهرة تربوية متنامية في المؤسسات التعليمية المغربية وبشكل أوسع في السلك الثاني والثالث من التعليم، ولا يختلف اثنان على أن الشغب المدرسي بمختلف مظاهره وأشكاله ودرجاته يعرقل سير العملية التعليمية التعلمية، ويجهض في كثيرا من الحالات كل محاولة لتحقيق الأهداف التعليمية، لحد يصبح معه الحديث عن تحقيقها جميعا ضربا من المستحيل، وإذا كان هم مختلف المتدخلين في العملية التعليمية أساتذة وفاعلين تربويين داخل المؤسسة، وأولياء.. يرون ضرورة الحد من هذه الظاهرة، أو على الأقل محاربتها للتخفيف من حدتها، فإنهم يتباينون الى حد الاختلاف حول السبل التي تقودهم إلى ذلك، ويبدو أن مرد هذا التباين هو استعصاء  تشخيص هذا الوباء التربوي الفتاك، بحيث يمكن ملاحظة أعراضه ومظاهره، ويصعب تحديد الأسباب الحقيقة  الكامنة خلف استفحاله، وبشكل أو بآخر سيتكرر السؤال المشروع،  من المسؤول الحقيقي عن ظاهرة الشغب المدرسي ومن الضحية؟
أمكن الإجابة عن هذا السؤال بنفس البساطة التي طرح بها، طبعا المسؤول هو المتعلم، وبكثير من التعميم وشيء من التسامح، دعنا نقول المتعلم ” المشاغب” والضحية هو الأستاذ. إن منطق السلوكات التي تنتج عن الإنسان بكامل وعيه وقواه العقلية، تفترض وجود أسباب كامن خلفها، والشغب أحد هذه السلوكات، ليتبين أنه ليس سبب وإنما بدوره نتيجة لسبب، ما لم نقل أسباب متعددة المشارب. يبدو أنه من التهور أن نقبل بالإجابة السابقة، ليتجدد السؤال بشكل ملح الشغب المدرسي مسؤولية من؟
أثارت ظاهرة الشغب المدرسي عددا من الباحثين من مشارب مختلف، في محاولة لسبر أغوارها، وكلٌّ شخّص الداء واقترح له الدواء، تبعا لمرجعيته العلمية، وفي محاولة لتفسير جوهر هذه الظاهرة استند السيكولوجي على التغيرات النفسية التي تصاحب التغيرات الفيزيولوجية للإنسان في هذه المرحلة والتي يطلق عليها ” المراهقة”، والتي تحدد في الغالب بين سن 12 وسن 18، وهذا ما يفسر استفحال هذه الظاهرة في السلك الثاني والثالث من التعليم، فالشغب المدرسي في النهاية عندهم لا يغدو إلا أن يكون نتيجة أسباب طبيعية بالدرجة الأولى، فهل حقا المتعلم هو المسؤول؟
 لم يقتنع السوسيولوجي بهذه النتيجة، ونجده يقدم تفسيرا آخر أوسع، فالطفل قبل أن يكون متعلما داخل المؤسسة التعليمية هو عضو متفاعل داخل المجتمع يتأثر به أكثر مما يؤثر فيه، وتصاحبه التغيرات الناتجة عن هذا التفاعل داخل المؤسسة، إذ يرى السوسيولوجي أن ظاهرة الشغب هي نتيجة للبيئة التي يعيش فيها المتعلم، وللتنشئة الاجتماعية التي مردها المتغيرات السوسيوثقافية، والاقتصادية التي يعرفها المتعلم، قبل أن تكون نتيجة للتغيرات السيكولوجية والفيزيولوجية، ويجد هذا التفسير مبرره في كون أن هذه الظاهرة يختلف تواجدها وتتباين حدتها، من مجتمع لآخر بل من مؤسسة لأخرى، وكذلك يلاحظ انتشارها بشكل أوسع في المؤسسات التعليمية العمومية، على خلاف المؤسسات التعليمية الخاصة، ليبرز المعيار السوسيوثقافي والاقتصادي كمحدد آخر لأسباب هذه الظاهرة، فهل نقول أن المجتمع هو المسؤول؟
لم ينكر التربوي هذه التفسيرات المختلفة، بل يراها مبرر قيام المؤسسة التعليمية في الأساس، وأن عملها لا يغدو أن يكون موجَّها نحو تصويب مختلف سلوكات المتعلم الفطرية، أو التي اكتسبها بشكل غير سليم في المجتمع، كما أن مهمة دمج المتعلم في المجتمع، تنطلق من دمج المجتمع في المتعلم، ولكن أي مجتمع نريد للمتعلم أن يتلقى مبادئه وقيمه؟ وهل المنهاج يعكس حقيقة هذا المجتمع؟  كيف يراد له أن يكون؟ تطرح هذه التساؤلات لأن التربوي يرى أن الشغب المدرسي قبل كل شيء نتيجة لأسباب تربوي، كما هو حال عدد من الظواهر التربوية الأخرى كالهدر المدرسي، ويجدون مبرر ذلك في عدم كفاءة المنهاج المعتمد، حيث لا يجد المتعلم نفسه في كثير من المواد التعليمية، وبالتالي النتيجة الحتمية أنه لا يبالي بها، كذلك يرون أن بعض المشاكل التربوية الأخرى كضعف البنية التحتية للتعليم، و الاكتظاظ، وتباين كفاءة المدرسين والفاعلين التربويين في التعامل بنجاعة مع مختلف سلوكات المتعلمين داخل المؤسسة وداخل الفصل، الشيء الذي يرجع بالأساس إلى ضعف التكوين الأطر التعليمية، وهذه كلها أسباب تربوية بالدرجة الأولى. يجد التربوي مبرر هذا التفسير في تبيان حدة الشغب المدرسي بشكل هرمي، عموديا تباينها من منهاج تعليمي لآخر، وأفقيا تباينها من شعبة إلى أخرى، كما تختلف حدة الشغب بين المؤسسة التعليمية التي يقل فيا الاكتظاظ وبين تلك التي تعاني الاكتظاظ، كما تتباين لدى نفس المتعلمين، من أستاذ لآخر، فهل المنظومة التعليمية في المغرب هي المسؤول؟
يجب الاعتراف في النهاية، أن الشغب المدرسي ظاهرة أكثر تعقيدا مما يبدو عليه في الظاهر، وما يمكن أن نستشفه من التفسير السيكولوجي والتفسير السوسيولوجي والتفسير التربوي، أن تجاوز هذه الظاهرة رهين بتدخل مختلف مقومات المجتمع، أولياء ومجتمع مدني، والجهة المعنية بالتعليم في المغرب، مؤسسات وباحثين، وفاعلين تربويين داخل المؤسسة، بحيث يبدو من السذاجة إلقاء المسؤولية على عاتق طرف معين، فالمتعلم محكم بتغيرات فيزيولوجية وسيكولوجية طبيعية لا يعيها في معظم الأحيان، في حين تبدو مهمة ضبط أربعين الى خمسين متعلم داخل الفصل الواحد،  مستحيلة على المعلم، بالخصوص في ظل الظروف المتردية التي يشتغل فيها هذا الأخير، وفي ظل الضغوطات المرتبطة بالزمن المدرسي في علاقته بكثرة مواد المقرر، مقرر لا يبدو أنه يثير اهتمام المتعلم، وكأنه يخاطب جيلا لم يعد له وجود…
 من هنا تأتي ضرورة تغيير النظرة الضيقة التي نرى بها الشغب المدرسي، على الأقل من حيث نقطة “المسؤول والضحية” ، ويجب أن نقر أن المتعلم لا يتحمل إلا جزء ضئيل من المسؤولية، بحيث يعتبر من الغباء مناقشة هذه النقطة إذا اعتبرنا أنه في النهاية ضحيته الأولى قبل كل شيء، ضحية مجموعة من العوامل المتداخلة، بعضها وجدت قبل أن يوجد كمتعلم، وبالعودة الى الطرف الثاني الذي يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع هذه الظاهرة (المعلم)، يزداد حجم الضغط بحيث، لا يمكن أن نحمله عواقب كل ظاهرة سلبية أسبابها متجذرة في عمق المنظومة التعليمية، في النهاية لا يبدو أن ” المتعلم ـ المعلم ” إلا ضحايا ظاهرة الشغب المدرسي، وكل بحث عن الأسباب الحقيقية، والمسؤولين خلفها، يجب أن يتجاوز أسوار المؤسسة التعليمية، قبل أن يطرق بابها.
About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 15 مارس 2013 by .

الابحار

%d bloggers like this: